الخميس ,28 مايو, 2020 م
الرئيسية فكر وأدب وثقافة الاستعمار أصاب بلادنا بالوباء وحرمنا العلاج لخدمته .. بشاعة “الطب الإمبريالي”

الاستعمار أصاب بلادنا بالوباء وحرمنا العلاج لخدمته .. بشاعة “الطب الإمبريالي”

153

البلقاء اليوم - الاستعمار أصاب بلادنا بالوباء وحرمنا العلاج لخدمته.. بشاعة “الطب الإمبريالي”
البلقاء اليوم -----السلط --عربي بوست


منذ انتشرت جائحة كورونا تحوّل الفيروس القادم من الصين وحَصَد أرواح الآلاف في أيام معدودة إلى حديث العالم الأول، لاسيما مع عدم وجود علاج ناجع للمصابين به.

وبعيداً عن خطر فيروس كورونا ونسب الشفاء منه، ثمة خطر أكبر يواجه العالم؛ انهيار النظام الصحي العالمي، الذي بدا واضحاً أنه غير مستعد لمواجهة أزمة بهذا الحجم، حتى في أكبر وأعرق الدول الأوروبية.

ومع الحديث عن عدم استعداد المنظومة الصحية لمثل هذه الجائحة، نستعرض فكرة طرحها الكاتب والمؤرخ ديفيد آرنلود في كتابه “الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية (Imperial Medicine and Indigenous Societies)”، كيف أثر الاستعمار الذي تعرّضت له أغلب الدول العربية والإفريقية في اهتراء المنظومة الصحية، وكيف أن النظام الصحي في البلدان التي خضعت للاستعمار كان في الأصل موجهاً لخدمة الجنود الأوروبيين المستعمرين وليس للسكان المحليين.
بدايةً.. ما معنى الإمبريالية؟

الإمبريالية هي سياسة تتبعها دول بعينها، تهدف فيها إلى توسيع مناطق نفوذها الجغرافية، والسيطرة بالقوة على الموارد الطبيعية لدولٍ أو شعوبٍ أخرى، وغالباً ما تكون هذه القوة عسكرية. واستخدم مصطلح الإمبريالية لإدانة الدول الاستعمارية التي استخدمت سياسات غير أخلاقية في تعاملها مع شعوب الدول التي استوطنتها وسلبت ثرواتها واستغلت مواردها الطبيعية.
“الطب الإمبريالي”

يستشهد آرنلود بمصر والهند كنموذجين للاحتلال البريطاني، والكونغو للاحتلال البلجيكي، واحتلال جنوب إفريقيا وغيرها، وكيف كان الاستعمار مسؤولاً بشكل كبير عن زيادة تدهور الظروف الصحية في البلدان التي احتلها.

قديماً جلب المستعمرون الأمراض والآفات معهم عن طريق الجنود إلى المناطق التي احتلوها، وكانوا كلما دخلوا منطقةً نقلوا إليها أمراضهم التي لا يحمل سكانها أي مناعة ضدها، فيهلك منهم الآلاف بما كان يطلق عليه قديماً “داء السفن”. و”داء السفن” هو اصطلاح أطلق على أي مرض حمله المستعمرون ولم يكن يحمله السكان المحليون.

في القرن الـ19 مثلاً، كان الجدري مسؤولاً عن وفاة أعداد ضخمة من الهنود الذين كانوا حينها تحت الاحتلال البريطاني، إلى جانب كونه سبباً رئيسياً للعمى لديهم، فبذلوا الكثير من المحاولات للقضاء على الجدري، لدرجة أنهم قاموا بالتلقيح المباشر للمرض، والذي يعني أخذ مادة التطعيم مباشرةً من الطفح الجلدي الذي يظهر مع الجدري بعد رشها بماء النهر المقدس!

كان التطعيم الحديث “اللقاح” في نظر المستعمر أداةً لترسيخ النظام وفرض التحضّر وإثبات حسن نيته تجاه السكان المحليين، وكان ينافس تقنية التلقيح القديمة، إلا أنه كان بالأساس وسيلةً لفرض طريقة تصلح للاستخدام مع الجنود البريطانيين، الذين يحملون المرض، والذين كانوا بحاجة للعلاج، فكانت محاولات البريطانيين لإصلاح ما أفسده البريطانيون أنفسهم بما يخدم جنودهم!

وبحسب كتاب “الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية”، اضطرت الحكومة البريطانية إلى اللجوء إلى طبقة المتدينين الهنود، ليصدورا فتاوى تنفي تحريم التطعيم من النصوص الهندوسية المقدسة، لكن لم تنفع تلك الوسيلة كثيراً، فلجأت الحكومة إلى فرض التطعيم بالإكراه في بعض المناطق، كل ذلك حين شعروا بالخطر على جنودهم.
البلهارسيا.. دواء حاضر غائب

وفي مصر، حين احتلها الإنجليز أيضاً، اكتشف أحد علمائها دواءً لداء البلهارسيا، لكن الدولة الاستعمارية تركت آلاف المصابين يواجهون مصيرهم بالمرض، لأن الجنود البريطانيين كانوا في مأمن من خطر الإصابة، وعليه لم يكونوا معنيين بالبلهارسيا، ولم يكن يشغلهم ما الذي سيحل بالمصريين ما داموا هم غير مصابين. ولم يبدأ دواء البلهارسيا في الظهور إلا حين شعر المحتلون أن جنودهم قد يصابون بالعدوى.

حين هدّدت الأوبئة الاقتصاد بعد أن فتكت بحياة أعدادٍ كبيرةٍ من المصريين -ولم تكن بريطانيا مهتمة برفع مستوى الخدمات الاجتماعية- لجأت إلى تحديد المخاطر والتعامل مع تهديدات الأوبئة، وتجاهلت الأمراض الشائعة والمتفشية، مثل الأمراض المُعدِية المعوية أو التنفسية والطفيلية بشكل كامل.
الطب.. لنشر الاستعمار!

يقول ديفيد آرنولد إن الطب كان أشبه بوسيلة فكرية في أيدي المستعمرين، ينشرون بها رؤيتهم الاستعمارية؛ فكانوا يقررون كيف يعمل النظام الصحي، وأي أمراض يعالج، وأي أجهزة تلزم، لا لعلاج أهل المناطق المحتلة، ولكن بما يتناسب مع تلك الأمراض التي تصيب المحتلين.

وكان تدخل الأطباء لعلاج سكان المستعمرات بغرض ألا تتناقص الأيدي العاملة في الزراعة والصناعة والتعدين من جراء الأوبئة، ولحماية السكان الأوروبيين من العدوى، فكانوا يعالجون بالقدر الذي يحفظ لهم الحد الأدنى من القوى العاملة، وإن لم تكن هناك حاجة لهم فلا داعي للعلاج.
حتى العلاج النفسي خدم الاستعمار

وفق ما كتب والترود إرنست، وهو أحد الأطباء الذين شاركوا في تأليف كتاب “الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية”، كان العلاج النفسي ذاته خاضعاً لأهواء الاستعمار، فقد كانوا يحتجزون من يعانون من أمراض عصبية عندما يرون في ذلك تقييداً للعمل العسكري، إذ أفعالهم غير محسوبة ويشكلون فوضى في البلاد.

ويؤكد الباحث أن الخطاب المعاصر عن أن دائرة “مصلحة المجانين” نموذج رائع للمبادئ الإنسانية البريطانية في الهند لم تكن مؤسسةً تعمل لخدمة الهنود -كما تم تصويره- لكن الغرض كان استعمارياً أيضاً.
أمريكا.. في استعمار الفلبين

وفي الفلبين لم يكن الأمر يختلف كثيراً، ثمة من كانوا يرون أن الحكم الاستعماري الأمريكي له أفضال على الفلبين، إذ أنشأ نظاماً لصحة البيئة أنقذ الكثير من أرواح الفلبينيين، مع أن مرض الكوليرا كان منتشراً إبان الاحتلال وإبان حرب التحرير (1899-1902)، لكن جهود أمريكا في مواجهة المرض لم تكن في الحقيقة إلا من أجل إنقاذ حياة جنودها.
المرض والاستعمار

لم يفصّل الاستعمار الأنظمة الصحية لخدمة أغراضه فحسب، بل استغلها أيضاً في نشر الأمراض الوبائية في مناطق جديدة لم تكن موجودة فيها من قبل.

استخدمت الإمبريالية مفهوم “مقاومة الأمراض الوبائية” لتتمكن من اختراق دول إفريقيا وآسيا والأمريكتين، ونقل الأفكار الاستعمارية وتطبيقاتها، فيشير آرنلود في “الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية”، إلى أن السماح للتجار والعمال والمهاجرين والحجاج والجنود والرعاة وفتيات الليل بالتنقل من بلد إلى بلد، كان بهدف نشر الأوبئة على مساحات واسعة من العالم، ناقلين أمراضاً محلية لأماكن أخرى.

جرى ذلك في العام 1348، حين نقل بعض التجار وباء من ميناء بالبحر الأسود كان موبوءاً بالطاعون إلى إيطاليا، ومنه إلى إنجلترا، وتكرر ظهور الأوبئة لقرابة أربعة قرون بهذه الطريقة، وتحولت الأمراض من مجرد أمراض معدية إلى أوبئة بفعل الاستعمار.

ومن هذه الأوبئة الطاعون والجذام والكوليرا والزهري، وفيروسات الجدري والحمى الصفراء، والملاريا.
انهيار النظام الصحي العالمي

لعل ما خلفه الاستعمار يفسر بشكل ما تلك التخوفات التي صاحبت انتشار فيروس كورونا Covid-19، والأصوات التي حذرت من انهيار النظام الصحي، خاصة في الدول الفقيرة، التي تعرض معظمها للاستعمار مسبقاً، ما سيشكل خطراً ربما أكثر من خطر الفيروس ذاته.

الأزمة تكمن في عدم استعداد الأنظمة الصحية في البلدان المصابة لجائحة كهذه، فأعداد الإصابات في ازدياد مستمر، وحالات الوفاة ترتفع أيضاً، مع عمل الطواقم الطبية 24 ساعة؛ ما يشكل ضغطاً عليهم، بما قد يسبب لهم الانهيار.

إذا تحدثنا عن مصر أنموذجاً، فمصر الآن تعاني من عجز كارثي في أسرّة المشافي وغرف العناية المركزة، ووفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، فالدولة بها 123 ألف سرير تمريض لأكثر من 100 مليون مواطن، بمعنى أن سريراً واسعاً يتسع لكل 813 شخصاً.

ولم يرتبط الأمر بمصر وحدها، أو غيرها من الدول التي وقعت تحت هيمنة الاستعمار، لكن أمريكا وبريطانيا أيضاً تعانيان من تبعات اهتراء النظام الصحي.

مقال نشرته الصحفية الاستقصائية راشيل توماس وزميلها جيرمي هوارد على موقع الإحصاء Fast.ai، أشار إلى أن أمريكا تحتوي الآن على 12 مليون قناع من نوع N95 و30 مليون قناع جراحي، بمعنى أنه لو تدفقت 100 ألف إصابة فقط على المشافي فسيحتاج الطاقم الطبي إلى أكثر من 3.5 مليار قناع، بمعنى أن المتوفر لديها لا يتجاوز 1%.

المحصلة أن ضعف المنظومة الطبية تكشّف في هذه الأزمة، وسواء كان ضعف النظام الصحي بسبب سوء إدارة الحكومات، أو بفعل فاعل مثلما فعلت الدول الاستعمارية، فإننا أمام خطر ربما يقضي على نصف سكان الكرة الأرضية، مثلما فعل الطاعون مع ظهوره في القرن الرابع عشر.

ورغم أن البعض يتصورون أن الكاتب ربما يكون متحاملاً على الاستعمار في تطويعه المنظومات الصحية، فإنها تبقى وجهة نظر يمكننا التعرض لها.

التعليقات حالياً متوقفة من الموقع

البلقاء اليوم بالارقام

اسرار المدينة

شخصيات المحافظة

مقالات

براعم البلقاء

هموم وقضايا