الإثنين ,5 أكتوبر, 2026 م
الرئيسية أخبار متنوعة الذكاء الاصطناعي والمناخ .. أيهما أخطر على بقاء البشرية؟

الذكاء الاصطناعي والمناخ .. أيهما أخطر على بقاء البشرية؟

13

البلقاء اليوم - الذكاء الاصطناعي والمناخ.. أيهما أخطر على بقاء البشرية؟
هيلين كوفي* - (الإندبندنت) 2026/9/19
فيما يستحوذ الخوف من احتمال أن يتسبب "الذكاء الاصطناعي" في انقراض البشر خلال عقد على جانب كبير من النقاش العام، يبدو أننا نغفل أزمة المناخ القائمة بالفعل، وما تتجسد فيه آثارها من موجات حر وحرائق وفيضانات وجفاف، وما تجره من تداعيات تتجاوز ارتفاع درجات الحرارة إلى أزمات الغذاء والمياه والهجرة والصراعات وتفشي أمراض جديدة، فضلاً عن أضرار اقتصادية وتهديدات للأمن والاستقرار العالمي؛ وهي تداعيات تستدعي التعامل مع الأزمة المناخية بوصفها حالة طوارئ قائمة لا تحتمل مزيداً من التأخير. *** لو قلت لكم إن تهديداً وجودياً هائلاً للأمن القومي والازدهار الاقتصادي وللبشرية جمعاء يحوم فوق رؤوسنا الآن، فقد يتجه ذهنكم، في ظل هذا الوصف المخيف، مباشرة إلى "الذكاء الاصطناعي". ففي نهاية المطاف، لم تمنح البشرية سوى 10 أعوام، وفق أحدث ما يدور في أوساط العاملين في قطاع التكنولوجيا، قبل أن تواجه احتمال الفناء. وقد دفع إيفان هوبينغر، أحد أبرز الباحثين في سلامة "الذكاء الاصطناعي" لدى شركة "أنثروبيك"، بهذا الرقم إلى النقاش العام كأنه قنبلة، بعدما حذر في سلسلة منشورات على "تويتر" (إكس) من وجود احتمال يتجاوز 10 في المائة لأن يتمكن "الذكاء الاصطناعي" من "القضاء على جميع البشر" خلال العقد المقبل. ومن الطبيعي أن يثير تصريح بهذه الخطورة قدراً كبيراً من الهلع؛ إذ يبدو كأن كل التحذيرات التي أطلقتها أعمال الخيال العلمي خلال القرن الماضي أخذت تتحقق أمامنا، من "هال 9000" في فيلم "2001: ملحمة الفضاء" 2001: A Space Odyssey، إلى "أنا، روبوت" I, Robot و"ماتريكس" The Matrix. وقد انتشرت موجة واضحة من الذعر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع دعوات صاخبة إلى إنشاء "زر إيقاف طارئ"، وإلى اتفاق الشركات على إبطاء السباق الجماعي في مجال "الذكاء الاصطناعي" إلى حين تقييم الجوانب الخاصة بالسلامة على النحو المطلوب. لكن هناك مشكلة كبيرة في أن يستحوذ خطر الانقراض المحتمل الذي تمثله أدوات مثل "تشات جي بي تي" و"كلود" و"جيميناي" وغيرها على كل اهتمامنا. فنحن معرضون فعلاً لخطر أن ننسى تهديداً أكبر بكثير يواجه مختلف أشكال الحياة على الأرض، نعرفه منذ أكثر من قرن، ونشهد آثاره اليوم في أنحاء العالم كافة، وهو الانهيار المناخي. كان يفترض أن يكون هذا الصيف كفيلاً بتبديد أي شكوك سابقة في أن الاحترار العالمي يغير كوكبنا وطريقة عيشنا بصورة جذرية. فقد شهدت دول عدة درجات حرارة شديدة وظواهر جوية متطرفة، تسببت في الجفاف والمجاعة والفيضانات المميتة والانهيارات الأرضية وحرائق الغابات. وكلها تهديدات ملموسة وقابلة للقياس وحقيقية لحياة البشر، بخلاف الأخطار غير الواضحة المرتبطة بنماذج اللغة الكبيرة. وليس من قبيل المصادفة أن يكون منكرو تغير المناخ قد التزموا الصمت إلى حد كبير في الآونة الأخيرة. فحتى نحن الذين نعيش في شمال أوروبا وغربها، ونحظى بحماية نسبية من أشد العواقب بفضل المناخ المعتدل بطبيعته، لم نسلم تماماً هذا العام. وفي وقت كانت فيه مساحات واسعة من أوروبا تشتعل بحرائق الغابات، قدر عدد الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة في إنجلترا خلال موجتي الحر في أيار (مايو) وحزيران (يونيو) 2026 بنحو 2.877 حالة، أي ما يقارب ضعف العدد المسجل خلال صيف العام السابق بأكمله. وفق ما كتب الأمير ويليام حصرياً في صحيفة "الإندبندنت"، فإنها "أزمة تستدعي تحركاً عاجلاً"، مضيفاً أن نهج التقدم ببطء شديد، خطوة صغيرة تلو الأخرى، لم يعد كافياً لمواجهة الحجم الهائل للمشكلة. ومن المتوقع أن يزداد الوضع سوءاً قبل أن يتحسن، نتيجة اجتماع أثر الاحترار الناجم عن الأنشطة البشرية مع ظاهرة "إل نينيو فائقة" يرجح أن تكون من أشد الظواهر المسجلة قوة وتأثيراً. وينتظر أن يؤدي الارتفاع الاستثنائي في درجات حرارة سطح البحر في المناطق الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي إلى اضطرابات مناخية واسعة، واختلال أنظمة بيئية في أنحاء العالم. وهذا ما يدفع عدداً متزايداً من الشخصيات البارزة إلى المطالبة بأن نسمي هذا التزايد في الكوارث الناجمة عن تغير المناخ باسمه الحقيقي: تهديداً هائلاً ومتنامياً لبقائنا وبقاء سائر الكائنات الحية على الأرض. في العام 2022، دعا فريق دولي من الباحثين بقيادة "جامعة كيمبريدج" إلى أن يبدأ العالم الاستعداد لاحتمال بلوغ "النهاية المناخية"؛ أي أسوأ السيناريوهات المحتملة لتغير المناخ. ونشر الفريق ورقة بحثية تقترح برنامجاً لدراسة سيناريوهات تتدرج من السيئ إلى الأسوأ، بدءاً من فقدان 10 في المائة من سكان العالم وصولاً إلى انقراض البشرية. كما سلط الفريق الضوء أيضاً على الخطر الحقيقي لما سمي "الفرسان الأربعة" لنهاية العالم المناخية: المجاعة وسوء التغذية، والظواهر الجوية المتطرفة، والصراعات، والأمراض المنقولة. وهذه ليست مخاوف وهمية مأخوذة من رواية ديستوبية عن المستقبل، بل أخطار حقيقية تنطوي عليها درجات الحرارة الآخذة في الارتفاع، والتي بدأنا في رؤية آثارها فعلياً. وقال الدكتور لوك كيمب، الباحث الرئيس في الفريق من "مركز دراسة الأخطار الوجودية" التابع لـ"جامعة كيمبريدج"، في ذلك الوقت: "هناك أسباب كثيرة تدعو إلى الاعتقاد بأن تغير المناخ قد يصبح كارثياً، حتى عند مستويات معتدلة من الاحترار. فقد كان له دور في كل حدث من أحداث الانقراض الجماعي، وأسهم في سقوط إمبراطوريات وفي تشكيل التاريخ". وأضاف كيمب أنه على الرغم من أن الظواهر الجوية المتطرفة، التي باتت تحدث بوتيرة متزايدة، تشكل مصدر قلق كبيراً، فإن "مسارات الكارثة" لا تقتصر على الآثار المباشرة لارتفاع درجات الحرارة. وقال: "يمكن للتداعيات غير المباشرة، مثل الأزمات المالية والصراعات وتفشي أمراض جديدة، أن تطلق شرارة كوارث أخرى، وأن تعرقل التعافي من كوارث محتملة مثل الحرب النووية". وفي الآونة الأخيرة، تزايدت الضغوط للتعامل مع الانهيار المناخي باعتباره حالة طوارئ وطنية ودولية. وتطالب حملة "الإحاطة الوطنية للطوارئ" في المملكة المتحدة باستجابة لأزمة المناخ والطبيعة بحجم الاستجابة في زمن الحرب، على أن تبدأ بتنظيم الحكومة إحاطة طارئة مباشرة على شاشات التلفزيون، باعتبارها "خطوة أساس تمهد لاستجابة بالحجم الهائل المطلوب الآن". ووقع أكثر من 100 ألف شخص عريضة تطالب بذلك، مما أدى تلقائياً إلى إجراء نقاش في البرلمان البريطاني. وأطلقت الحملة فيلم "الإحاطة الطارئة للشعب" The People's Emergency Briefing، وهو فيلم وثائقي طويل يقدمه كريس باكام ويُعرض في مختلف أنحاء البلاد لحشد الدعم وزيادة الوعي بمدى إلحاح القضية. وفي غضون ذلك، دعا زاك بولانسكي، زعيم "حزب الخضر" البريطاني، إلى نشر تقرير خطر أعده قادة أجهزة الاستخبارات البريطانية كاملاً، حتى يتمكن الرأي العام من معرفة الحجم الكامل للتهديد الذي يشكله تغير المناخ على الأمن القومي للمملكة المتحدة. وكانت نسخة مختصرة من التقرير، لا تتجاوز 14 صفحة، قد نُشرت في كانون الثاني (يناير) الماضي، بعد حجب أجزاء كبيرة من محتواه بطلب من رئاسة الحكومة في "داونينغ ستريت". ويحذر التقرير من عواقب قد تكون مدمرة، تشمل فشل المحاصيل ونقصاً حاداً في الغذاء خلال خمسة أعوام، وشح المياه، وظهور أمراض جديدة، والتضخم وارتفاع الأسعار، والنزوح والهجرة على نطاق واسع، واضطراب سلاسل الإمداد، وفقدان سبل العيش، وزعزعة الاستقرار السياسي، وصولاً إلى احتمال اندلاع صراعات مسلحة وحرب نووية -وكل ذلك نتيجة انهيار الأنظمة البيئية في أنحاء العالم. وقال النائب عن "حزب الخضر" أدريان رامسي، خلال نقاش برلماني حديث دعا فيه إلى تحرك عاجل وإنشاء وحدة مخصصة لحماية المناخ: "يمثل الانهيار المناخي وأمن النظم الطبيعية أشد تهديدات الأمن القومي إلحاحاً وخطورة في عصرنا. فالمقومات الأساس لوجود الإنسان، من غذاء وماء وصحة، تعتمد جميعها على أنظمة بيئية سليمة ومستقرة". وأضاف: "إذا لم يكن هذا أحد أخطر تهديدات الأمن القومي التي نواجهها في عصرنا، فلا أعرف ما الذي يمكن اعتباره كذلك". حسناً، فلنحاول إنقاذ العالم من سيطرة "الذكاء الاصطناعي" وتجنب الدمار الكامل للبشرية خلال الأعوام العشرة المقبلة، إذا استطعنا. والأهم من ذلك، فلنضع حداً لشبكة مراكز البيانات المتسعة باستمرار، والتي تستنزف الطاقة والمياه والموارد التي نحن في أمس الحاجة إليها. لكن علينا ألا نسمح لتهديدات غامضة مستمدة من الخيال العلمي بأن تصرف انتباهنا عن مشكلة أكبر بكثير تحدث أمامنا بالفعل، هي تغير المناخ، وإلا فقد لا يبقى هناك عالم ننقذه.
*هيلين كوفي Helen Coffey: صحفية وكاتبة بريطانية تعمل حالياً كاتبةً أولى في قسم أسلوب الحياة بصحيفة "الإندبندنت"، حيث تغطي موضوعات الصحة والعلاقات وقضايا المرأة واتجاهات العمل. انضمت إلى "الإندبندنت" في العام 2017. شغلت منصب محررة السفر في "الإندبندنت"، وكانت أول محررة سفر في صحيفة بريطانية وطنية تتعهد بالتوقف عن السفر جواً في العام 2020، في إطار اهتمامها بقضايا المناخ والسفر المستدام. وفي العام 2022 صدر كتابها الأول "صفر ارتفاع: كيف تعلّمت أن أطير أقلّ وأسافر أكثر" Zero Altitude: How I Learned to Fly Less and Travel More، وهو مذكرات عن تجربتها في السفر من دون طيران




التعليقات حالياً متوقفة من الموقع

البلقاء اليوم بالارقام

اسرار المدينة

شخصيات المحافظة

مقالات

هموم وقضايا