البلقاء اليوم - لم تكن تتوقع إحدى الوسيطات ممن يعملن في التجارة الكترونية "أن يتحول عملها البسيط من منزلها، الذي بدأ كوسيلة لمساندة أسرتها في ظل ضيق الدخل، إلى مصدر قلق يهدد استقرارها المعيشي.
فمنذ سنوات، تعمل كوسيطة في التجارة الإلكترونية، تحجز الطلبيات للمواطنين عبر منصات عالمية مثل "شي إن" مقابل عمولة محدودة، تساعدها على تغطية جزء من مصاريف البيت.
إلا أن قرار فرض ضريبة مبيعات بنسبة 16% على الطرود البريدية، والذي يبدأ العمل به اعتبارا من الأحد المقبل، وضعها أمام واقع جديد مليء بالتحديات.
القرار يطال فئة كاملة تعمل في مجال الوساطة بالتجارة الإلكترونية، حيث ستفرض الضريبة على الطرود التي تمر عبر هؤلاء الوسطاء، مما يعني ارتفاع الكلفة النهائية على الزبائن، وانعكاس ذلك مباشرة على حجم الطلب ونسب المبيعات، في وقت يعتمد فيه هذا النموذج من العمل على الطلبات الصغيرة والهامش الربحي المحدود.
تقول إحدى الوسيطات إن الطلبيات التي تصل قيمتها إلى 100 دينار ستفرض عليها ضريبة 16%، مما يدفع الزبائن للتردد أو اللجوء إلى السوق المحلي، موضحة أن القوة الشرائية عبر المواقع الإلكترونية بدأت تتراجع بالفعل، وأن الأرباح انخفضت بشكل واضح، مشيرة إلى أن الكثير من الزبائن ينتظرون ما سيحدث مع الطلبيات التي ستصل خلال شهر شباط، في ظل حالة من الترقب والقلق حول مستقبل هذا العمل، مضيفة أنه "نهاية شهر اثنين راح تبين الصورة… هل راح نكمل أو لا؟ بصراحة ممكن الشغل كله يوقف"، على حد تعبيرها.
وتقول وسيطة أخرى " نحنا مو جايين نطلب رفاهية ولا نتحايل على القانون، نحنا أمهات وزوجات وبنات نشتغل من بيوتنا بدخل بسيط نساعد فيه أزواجنا ونأمن لقمة عيش بكرامة.
"رفع الضريبة لـ16% ما كان رقم عادي إلنا، كان صدمة وسكر باب رزق على بيوت كثيرة"، مضيفة أن عملهن لا يقوم على مشاريع ضخمة أو أرباح كبيرة، بل على طلبية أو طلبتين وربح بسيط يساعدهن على تسيير أمور الشهر، إلا أن الزبائن اليوم بدأوا بالانسحاب، والطلبات تتوقف تدريجيا، ما يضعهن أمام مستقبل مجهول.
"القرارات لازم تشوف الإنسان قبل الرقم، تشوف الأم اللي بتشتغل من بيتها، والعائلة اللي بتحاول تعيش بكرامة، إحنا ما بدنا إعفاء كامل، بدنا عدل وحل يراعينا ونقدر نكمل شغلنا بدون ما نحس إن رزقنا صار عبء أو جريمة" على حد قول الوسيطة.
أثر اقتصادي مباشر
ومع اقتراب موعد تطبيق القرار، يتصاعد الجدل حول انعكاساته على المستهلكين، والتجارة الإلكترونية، والسوق المحلي، ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن القرار يهدف إلى تحقيق العدالة الضريبية ودعم التجارة المحلية، يرى مختصون أن له أثرا مباشرا على سلوك الشراء وكلفة المعيشة، خاصة لدى الفئات التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الشراء الإلكتروني.
يوضح الخبير الاقتصادي منير دية أن توقيت تطبيق القرار يثير تساؤلات اقتصادية حقيقية، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها المواطنون، مشيرا إلى أن فرض ضريبة مبيعات بنسبة 16% على طرود تقل قيمتها عن 200 دينار يتعارض مع تعهدات حكومية سابقة بعدم فرض ضرائب جديدة خلال عام 2026، مؤكدًا أن هذا القرار لا يخدم لا المواطن ولا التجارة المحلية.
ويرى دية أن تحقيق العدالة الضريبية لا يكون عبر فرض أعباء إضافية، بل من خلال إعادة توزيع العبء الضريبي، موضحا أن القطاع التجاري المحلي يتحمل أعباء وضريبية تقارب 30%، في حين كانت الطرود البريدية تخضع لنسب أقل.
ويؤكد أن الحل الأنسب كان يتمثل في تخفيض الضرائب على التجارة المحلية لموازنتها مع التجارة الإلكترونية، بما يخفف العبء عن المواطن، ويزيد القوة الشرائية، ويحفز السوق، مضيفا أن المواطن اليوم هو الحلقة الأضعف، إذ يتحمل قائمة طويلة من الالتزامات تشمل فواتير الكهرباء والمياه، والمحروقات، والتدفئة، والمواصلات، والتعليم، والصحة، بالتزامن مع شهر شباط، الذي وصفه بأنه من أصعب الأشهر ماليا، خاصة مع اقتراب شهر رمضان وبداية الفصل الدراسي الجديد.
المواطن هو من يدفع الثمن
بلغة الأرقام، يوضح دية أن الكلفة النهائية لهذه الضريبة ستقع على عاتق المستهلك النهائي، وليس على شركات الشحن أو المنصات الإلكترونية، فعلى سبيل المثال، إذا قام مواطن بشراء سلعة بقيمة 100 دينار من إحدى المنصات الإلكترونية، فسيتم احتساب ضريبة مبيعات بنسبة 16% على قيمة الفاتورة، أي سيدفع 16 دينارا إضافية عند وصول الطرد وخضوعه لإجراءات التخليص، ويتم تحصيل هذه الضريبة من خلال شركة الشحن.
ويضيف أن هناك حدا أدنى للضريبة مقداره خمسة دنانير، ما يعني أنه في حال شراء طرد بقيمة 10 دنانير، فإن الضريبة المستحقة وفق نسبة 16% تكون دينارا و60 قرشا، إلا أن المواطن سيدفع خمسة دنانير كاملة بسبب الحد الأدنى، أي ما يعادل 50% من قيمة الطرد.
ويشير إلى أن هذا الأمر يفتح الباب أمام إشكاليات تتعلق ببطاقات الاستيراد، وضريبة المبيعات، ودور الوسطاء بين المواطن وشركات الشحن، ما قد يؤدي إلى فروقات ضريبية ومشكلات وتجاوزات محتملة.
ويرى دية أن فرض ضريبة مبيعات بهذا الشكل على الطرود الشخصية سيكون من الصعب تحصيله عمليا بهذه الآلية، مؤكدا أن المواطن في النهاية هو من سيتحمل جميع الأعباء الإضافية، لأن أي رسوم أو ضرائب تفرضها الحكومة يتم ترحيلها بالكامل إلى المستهلك النهائي، وبدوره سيؤدي إلى زيادة الأعباء وتقليل القوة الشرائية، نتيجة ما وصفه بعملية شفط السيولة من السوق عبر زيادة الضرائب والرسوم.
هل يحمي القرار التاجر المحلي؟
وحول مدى إسهام القرار في حماية التاجر المحلي دون الإضرار بحق المستهلك في الاختيار، يعتقد دية أن القرار لن يسهم في حماية التاجر المحلي، فالحماية الحقيقية، بحسب رأيه، تكون من خلال تخفيض الضرائب المفروضة على التاجر المحلي معتبرا بأنه لو كانت الحكومة جادة في دعم التجارة المحلية وتقويتها، لبادرت إلى تخفيض العبء الضريبي عن التاجر ومساواته مع التجارة الإلكترونية، بما يخدم المواطن والتاجر معا، ويحفز السوق ويرفع القوة الشرائية. أما اللجوء إلى زيادة الضرائب والرسوم بحجة حماية التجارة المحلية، فلن يحقق هذا الهدف.
ويشير دية إلى أن توجه المواطنين إلى المنصات الإلكترونية لا يعود دائمًا إلى السعر فقط، بل أحيانا لعدم توفر السلعة في السوق المحلي، وأحيانا لأن التسوق الإلكتروني أصبح ثقافة جديدة تقوم على سهولة الدفع، وسرعة التوصيل، وسهولة الوصول، وتعدد الخيارات، ولذلك لا يمكن حرمان المواطن من هذه الخيارات عبر فرض ضرائب إضافية تحد من حرية الاختيار.
ويتوقع أن تظهر التقارير خلال الفترة المقبلة أن التجارة المحلية لن تشهد التحسن المتوقع، لأن زيادة الأعباء لم تقابل بإجراءات تحفيزية حقيقية، كما أن هذه الزيادات لن تؤثر بشكل كبير على قرارات الشراء لدى المواطنين.
ويعتقد دية أن المنصات الإلكترونية قادرة على تحمل جزء من العبء الضريبي، وبالتالي ستستمر في المنافسة وطرح أسعار وبدائل متعددة، موضحا أنه في حال ارتفعت الضريبة من 10% إلى 16%، فإن الزيادة الفعلية على القطعة الواحدة قد لا تتجاوز نصف دينار أو ربع دينار في بعض الحالات، وهي مبالغ تستطيع المنصات وشركات الشحن امتصاصها.
كما أن المواطن سيتكيف مع هذه الزيادة، لأن دوافع الشراء من التطبيقات والمنصات لا تقتصر على السعر فقط، بل تشمل سرعة الشراء، وسهولة التوصيل، وأحيانًا الفارق السعري الكبير مقارنة بالسوق المحلي.
رأي نقابة الألبسة والأحذية
من جانبه، يقول نقيب تجار الألبسة والأحذية والأقمشة، سلطان علان، في بيان له إن قرار تطبيق ضريبة المبيعات بنسبة 16% على الطرود البريدية، والذي سيبدأ مطلع شباط، سيخضع للتقييم بالتنسيق مع الجهات المعنية خلال العام الحالي.
ويضيف أن القرار سيطبق على الطرود التي لا تزيد قيمتها الجمركية على 200 دينار، معتبرا إياه خطوة أولى باتجاه تحقيق المساواة بين التجارة الإلكترونية والتقليدية، مشيرا إلى أن القطاع سيقيم أثر القرار في تقليص الفجوة بين النوعين.
وبحسب الإحصائيات، بلغ عدد الطرود البريدية خلال عام 2024 نحو 39 مليون طرد، فيما ارتفع عدد الطرود الواردة عبر المنصات الإلكترونية من 1.7 مليون طرد في 2023 إلى مليوني طرد في 2024، بينما بلغ عدد الطرود الصادرة قرابة 100 ألف طرد.
وأوضح علان أن الطرود التي تزيد قيمتها على 200 دينار تخضع لرسوم وضرائب كاملة تشمل الجمارك والمبيعات والخدمات، لافتاً إلى أن قطاع الألبسة والأحذية يضم أكثر من 11 ألف تاجر ويشغل نحو 60 ألف عامل، غالبيتهم من الأردنيين.
وتؤكد الحكومة أن القرار يهدف إلى دعم الإنفاق المحلي وتحقيق العدالة بين التجار، وتنشيط السوق المحلي، فيما يبقى الجدل قائماً حول مدى قدرته على تحقيق هذه الأهداف دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
عمان نت - هديل البس
الرئيسية
أخبار إقتصادية
ضريبة الطرود .. تزيد أعباء وسطاء التجارة الإلكترونية والمستهلكين ولن تحمي التاجر المحلي
-
Gatik أول شركة في الولايات المتحدة تشغل شاحنات ذاتية القيادة على نطاق واسع لعمليات التسليم التجارية
تصبح أول شركة في الولايات المتحدة تشغل شاحنات... -
البنوك تسمح بتأجيل أقساط القروض مع رسوم .. وهذه شروط الاستفادة
- قال مدير عام جمعية البنوك ماهر المحروق ان... -
-
-
الأردن .. النقل البري توافق مبدئيا على 15 شركة نقل ذكي
كشفت هيئة النقل البري عن تلقيها 32 طلبا جديدا... -
ارتفاع أسعار الليمون والموز البلدي في السوق المركزي اليوم
وصل إجمالي كميات الخضار إلى سوق الجملة المركزي... -
-
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع
الرجاء الانتظار ...