الخميس ,30 يوليو, 2026 م
الرئيسية اخبار محلية ثورة التقاضي الإلكتروني أمام المحاكم الشرعية في الأردن .. بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/

ثورة التقاضي الإلكتروني أمام المحاكم الشرعية في الأردن .. بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/

8

البلقاء اليوم - ثورة التقاضي الإلكتروني أمام المحاكم الشرعية في الأردن
قراءة قانونية في (نظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية لدى المحاكم الشرعية رقم 46 لسنة 2026)
بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/ مدير مركز إحقاق للدراسات القانونية
يمثل صدور (نظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية لدى المحاكم الشرعية رقم 46 لسنة 2026) تحولاً تشريعياً مهماً في مسيرة تحديث القضاء الشرعي الأردني، وانسجاماً مع مشروع التحول الرقمي الذي تتبناه الدولة في مختلف مرافق العدالة. فلم يعد التقاضي الإلكتروني خياراً تنظيمياً، وإنما أصبح جزءاً من البنية القانونية للإجراءات القضائية، الأمر الذي يعكس انتقال المحاكم الشرعية من النموذج الورقي التقليدي إلى نموذج يعتمد الوسائل الإلكترونية في إدارة الدعوى منذ تسجيلها وحتى إصدار القرارات والأحكام وتنفيذ كثير من إجراءاتها.
ورغم ما يحمله النظام من مزايا كبيرة تتمثل في تسريع الفصل في الدعاوى، وتخفيف النفقات، وتيسير الوصول إلى العدالة، إلا أنه يثير في المقابل مجموعة من التساؤلات القانونية والدستورية التي تستحق الدراسة والتحليل.
أولاً: توسع غير مسبوق في مفهوم الإجراءات القضائية
من أبرز ما يلفت النظر أن النظام لم يقصر استعمال الوسائل الإلكترونية على التبليغات، وإنما وسع نطاقها ليشمل:
- تسجيل الدعاوى والطلبات.
- إيداع اللوائح والمذكرات.
- دفع الرسوم.
- التبليغات القضائية.
- سماع الشهود.
- الاتصال المرئي.
- تداول الوثائق الإلكترونية.
وبذلك أصبح الملف الإلكتروني قابلاً لأن يحل محل الملف الورقي في معظم مراحل الدعوى، وهو تطور تشريعي مهم يواكب الاتجاهات العالمية في العدالة الرقمية.
ثانياً: الاعتراف بالحجية القانونية الكاملة للمحررات الإلكترونية
كرس النظام مبدأ بالغ الأهمية، إذ منح الوثائق والبيانات والإجراءات الإلكترونية الأثر القانوني ذاته الذي تتمتع به نظيرتها الورقية، كما منح السند الإلكتروني الحجية القانونية وفق التشريعات النافذة.
وهذا النص يزيل كثيراً من الجدل حول إمكانية الاحتجاج بالمحررات الإلكترونية أمام القضاء الشرعي، ويؤكد انسجام النظام مع قانون المعاملات الإلكترونية.
ثالثاً: اعتماد الهوية الرقمية
اعتمد النظام الهوية الرقمية كوسيلة للتحقق من شخصية أطراف الدعوى، وهو تطور بالغ الأهمية لأنه ينقل الإثبات من الوسائل التقليدية إلى وسائل تحقق رقمية معتمدة رسمياً.
غير أن هذا التطور يفرض ضرورة توفير أعلى درجات الحماية السيبرانية، لأن أي اختراق أو انتحال للهوية قد ينعكس مباشرة على صحة الإجراءات القضائية.
رابعاً: الاتصال المرئي أصبح حضوراً قانونياً
من أهم المستجدات اعتبار الاتصال المرئي حضوراً قانونياً متى توافرت الضمانات المنصوص عليها في النظام، ومنها:
- التحقق من هوية الشخص.
- استعمال قناة إلكترونية آمنة.
- توثيق الاتصال.
- حماية التسجيل من العبث.
- التأكد من سلامة إرادة الشخص.
وبذلك أصبح بإمكان المحكمة إجراء جلسات كاملة عن بعد مع احتفاظها بآثار الحضور القانوني.
خامساً: نقلة نوعية في نظام التبليغات القضائية
أحدث النظام تحولاً جذرياً في وسائل التبليغ، فأجاز استخدام:
- تطبيق سند الحكومي.
- الرسائل النصية.
- البريد الإلكتروني.
- أي وسيلة إلكترونية يعتمدها المجلس القضائي الشرعي.
كما اعتبر التبليغ منتجاً لآثاره القانونية من تاريخ الإرسال في العديد من الحالات، وهو ما يقلل كثيراً من حالات تعذر التبليغ التقليدي.
سادساً: انتهاء فكرة التبليغ المتكرر
من أخطر الأحكام التي جاء بها النظام أنه ألزم أطراف الدعوى بمتابعة الإجراءات القضائية إلكترونياً، ورتب على ذلك اعتبار القرارات والجلسات والأحكام منتجة لآثارها دون الحاجة إلى إعادة التبليغ في كل مرة، مع استثناءات محددة لبعض الأوراق ذات الطبيعة الخاصة.
وهذا الحكم سيؤدي عملياً إلى تقليل حالات التأجيل الناتجة عن التبليغات، لكنه في المقابل يحمّل الخصوم ومحاميهم مسؤولية متابعة الدعوى بصورة مستمرة.
سابعاً: الآثار العملية على المحامين
سيشهد عمل المحامي تغيراً جذرياً، إذ لم يعد يكفي إتقان المرافعة القانونية، بل أصبح مطلوباً منه:
- إدارة الملفات الإلكترونية.
- متابعة الإشعارات الرقمية بصورة يومية.
- إيداع اللوائح إلكترونياً.
- التعامل مع الهوية الرقمية.
- المحافظة على أمن الحسابات الإلكترونية.
كما سيصبح أي إهمال في متابعة المنصة الإلكترونية سبباً في ضياع مواعيد أو سقوط حقوق إجرائية.
ثامناً: الآثار العملية على المتقاضين
أما بالنسبة للمتقاضين فإن النظام يحقق مزايا عديدة، أهمها:
- تقليل الوقت والجهد.
- تخفيض كلفة التنقل.
- سرعة التبليغات.
- سهولة الوصول إلى المحكمة.
إلا أنه يفرض في المقابل تحدياً حقيقياً يتمثل في الفجوة الرقمية، إذ لا يمتلك جميع المتقاضين الخبرة التقنية أو الوسائل الإلكترونية الكافية، خاصة كبار السن أو المقيمين في المناطق الأقل اتصالاً بالخدمات الرقمية.
تاسعاً: الإشكالات القانونية والدستورية
رغم إيجابيات النظام، إلا أنه يثير عدداً من التساؤلات المهمة، من أبرزها:
أ. هل يكفي مجرد إرسال الرسالة النصية أو البريد الإلكتروني لترتيب آثار قانونية خطيرة إذا لم يثبت اطلاع المرسل إليه فعلياً عليها؟
ب. إلى أي مدى ينسجم اعتبار التبليغ منتجاً لآثاره بمجرد الإرسال مع ضمانات حق الدفاع والمحاكمة العادلة؟
ج. هل يستطيع جميع المتقاضين استعمال الوسائل الإلكترونية على قدم المساواة، أم أن الفجوة الرقمية قد تمس مبدأ المساواة أمام القضاء؟
د. ما مدى كفاية الضمانات التقنية لحماية سرية جلسات الاتصال المرئي والبيانات الشخصية والوثائق الإلكترونية من الاختراق أو العبث؟
هـ. منح النظام قاضي القضاة صلاحية إصدار تعليمات تنفيذية واسعة لتنظيم كثير من التفاصيل الإجرائية. ويثور هنا التساؤل حول ضرورة ألا تؤدي هذه التعليمات إلى إنشاء التزامات أو قيود جديدة تمس الحقوق الإجرائية بما يتجاوز الإطار الذي رسمه القانون والنظام، احتراماً لمبدأ المشروعية والتدرج في القواعد القانونية.
وفي الختام، ينبغي أن نقول أن هذا النظام يمثل خطوة متقدمة في تحديث القضاء الشرعي الأردني، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها "العدالة الرقمية". إلا أن نجاحه لن يقاس بمجرد رقمنة الإجراءات، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين سرعة التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة، وبين الكفاءة التقنية وحماية الحقوق الدستورية للمتقاضين.
فالتحول الرقمي ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتعزيز العدالة. وإذا لم تُدعَّم هذه الوسيلة بضمانات قانونية وتقنية كافية، فقد تتحول من أداة لتيسير الوصول إلى القضاء إلى مصدر جديد للنزاعات الإجرائية والطعن في سلامة الخصومة القضائية.




التعليقات حالياً متوقفة من الموقع

البلقاء اليوم بالارقام

اسرار المدينة

شخصيات المحافظة

مقالات

براعم البلقاء

هموم وقضايا