الرئيسية فكر وأدب وثقافة رَحَيلَ المُفَكِّرُ الفَرَنْسِيُّ الكَبيرُ إدْغار موران .. اليَوْمَ

رَحَيلَ المُفَكِّرُ الفَرَنْسِيُّ الكَبيرُ إدْغار موران .. اليَوْمَ

10

البلقاء اليوم - رَحَلَ اليَوْمَ المُفَكِّرُ الفَرَنْسِيُّ الكَبيرُ إدْغار موران بَعْدَ عُمْرٍ طَويلٍ تَجاوَزَ القَرْنَ، تارِكًا وَراءَهُ إِرْثًا فِكْرِيًّا فَريدًا أَعادَ مِنْ خِلالِهِ التَّفْكيرَ في طَبيعَةِ العَقْلِ وَالمَعْرِفَةِ وَالعالَمِ المُعاصِرِ. وَلَمْ يَكُنْ موران مُجَرَّدَ فَيْلَسوفٍ يَضَعُ نَظَرِيّاتٍ مُجَرَّدَةً، بَلْ كانَ مَشْروعُهُ مَسارًا نَقْدِيًّا طَويلًا يَسْعى إِلى فَهْمِ التَّعْقيدِ الَّذي يَطْبَعُ وُجودَ الإِنْسانِ وَالعالَمِ. وَمِنْ هٰذا المَنْطَلَقِ، تَكْتَسِبُ أَفْكارُهُ اليَوْمَ أَهَمِّيَّةً خاصَّةً، لا بِوَصْفِها ذِكْرَى فِكْرِيَّةً، بَلْ بِوَصْفِها أَدَواتٍ نَقْدِيَّةً لا غِنى عَنْها لِفَهْمِ أَزَماتِ العالَمِ المُتَشابِكَةِ. وَما سَيَرِدُ في هٰذا النَّصِّ هُوَ عَرْضٌ لِأَهَمِّ أَفْكارِهِ الَّتي شَكَّلَتْ جَوْهَرَ فَلْسَفَتِهِ وَمَشْروعِهِ المَعْرِفِيِّ....



يُعَدُّ إدْغار موران أَحَدَ أَبْرَزِ العُقولِ الفَلْسَفِيَّةِ الَّتي حاوَلَتْ إِعادَةَ التَّفْكيرِ في أُسُسِ المَعْرِفَةِ الإِنْسانِيَّةِ في زَمَنٍ اتَّسَمَ بِتَسارُعِ التَّحَوُّلاتِ وَتَعَقُّدِ الظَّواهِرِ. لَمْ يَكُنْ مَشْروعُهُ مُجَرَّدَ إِضافَةٍ إِلى تَاريخِ الفَلْسَفَةِ، بَلْ كانَ، في جَوْهَرِهِ، مُحاوَلَةً لِإِعادَةِ بِنَاءِ العَقْلِ ذاتِهِ، أَيْ إِعادَةَ النَّظَرِ في الطَّريقَةِ الَّتي يُفَكِّرُ بِها الإِنْسانُ في العالَمِ وَفي ذاتِهِ. وَمِنْ هُنا تَبَلْوَرَتْ فَلْسَفَتُهُ فيما عُرِفَ بِـ«الفِكْرِ المُرَكَّبِ» أَوْ «فَلْسَفَةِ التَّعْقيدِ»، وَهِيَ رُؤْيَةٌ تَنْطَلِقُ مِنْ نَقْدٍ جَذْرِيٍّ لِلنَّزْعَةِ الاخْتِزالِيَّةِ الَّتي طَبَعَتِ الفِكْرَ الحَديثَ، وَتَسْعَى إِلى تَجاوُزِها نَحْوَ أُفُقٍ مَعْرِفِيٍّ أَكْثَرَ انْفِتاحًا وَتَرْكيبًا.
تَكَوَّنَ هٰذا المَشْروعُ في سِياقٍ تاريخيٍّ وَفِكْرِيٍّ بالِغِ الثَّراءِ وَالتَّوَتُّرِ. فَقَدْ عاشَ موران تَجْرِبَةَ القَرْنِ العِشْرينَ بِكُلِّ ما حَمَلَتْهُ مِنْ كَوارِثَ وَأَحْلامٍ وَانْكِساراتٍ، بَدْءًا مِنَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ الَّتي شارَكَ خِلالَها في المُقاوَمَةِ الفَرَنْسِيَّةِ، وُصولًا إِلى الأَزَماتِ الفِكْرِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ الَّتي أَعْقَبَتْها. وَقَدْ أَسْهَمَتْ هٰذِهِ التَّجْرِبَةُ في تَكْوينِ حِسٍّ نَقْدِيٍّ عَميقٍ لَدَيْهِ تِجاهَ الأيديولوجيّاتِ المُغْلَقَةِ، سَواءٌ أَكانَتْ ماركْسِيَّةً دوغْمائِيَّةً أَمْ لِيبرالِيَّةً تَبْسيطِيَّةً. وَمِنْ ثَمَّ اتَّجَهَ إِلى البَحْثِ عَنْ نَمَطٍ مِنَ التَّفْكيرِ قادِرٍ عَلى اسْتيعابِ التَّناقُضِ بَدَلَ إِلْغائِهِ، وَعَلى فَهْمِ التَّعْقيدِ بَدَلَ تَبْسيطِهِ.
يَنْطَلِقُ موران مِنْ مُلاحَظَةٍ أَساسِيَّةٍ مُفادُها أَنَّ المَعْرِفَةَ الحَديثَةَ، عَلى الرَّغْمِ مِنْ إِنْجازاتِها الهائِلَةِ، قَدْ أَدَّتْ إِلى نَوْعٍ مِنَ التَّفَتُّتِ المَعْرِفِيِّ. فَالتَّخَصُّصُ العِلْمِيُّ، الَّذي كانَ شَرْطًا لِلتَّقَدُّمِ، تَحَوَّلَ إِلى عائِقٍ أَمامَ الفَهْمِ الشّامِلِ لِلْواقِعِ. لَقَدْ أَصْبَحَ لِكُلِّ عِلْمٍ لُغَتُهُ وَمَفاهيمُهُ وَمَنْهَجُهُ، حَتّى غَدا التَّواصُلُ بَيْنَ العُلومِ أَمْرًا صَعْبًا. وَبِهٰذا المَعْنى، لَمْ يَعُدِ الإِنْسانُ يُعاني مِنْ نَقْصٍ في المَعْرِفَةِ، بَلْ مِنْ فائِضٍ فيها، فائِضٍ لا يُتَرْجَمُ إِلى فَهْمٍ، لِأَنَّ الأَجْزاءَ لا تُرْبَطُ ضِمْنَ كُلٍّ ذي مَعْنًى.
في هٰذا السِّياقِ، يَطْرَحُ موران مَفْهومَ «التَّعْقيدِ» بَوْصِفِهِ بَديلًا إِبِسْتِمولوجِيًّا. غَيْرَ أَنَّ التَّعْقيدَ عِنْدَهُ لا يَعْني الغُموضَ فَحَسْبُ، وَإِنَّما يَدُلُّ عَلى الطَّبيعَةِ المُتَشابِكَةِ لِلْواقِعِ. فَكُلُّ ظاهِرَةٍ، مَهْما بَدَتْ بَسيطَةً، تَنْتَمي إِلى شَبَكَةٍ مِنَ العَلاقاتِ المُتَداخِلَةِ، بِحَيْثُ يَسْتَحيلُ فَهْمُها في عُزْلَةٍ عَنْ سِياقِها. إِنَّ الإِنْسانَ كائِنٌ بِيولوجِيٌّ وَاجْتِماعِيٌّ وَثَقافِيٌّ وَنَفْسِيٌّ في آنٍ واحِدٍ، وَلا يُمْكِنُ اخْتِزالُهُ في أَحَدِ هٰذِهِ الأَبْعادِ دُونَ تَشْويهٍ لِحَقيقَتِهِ.
وَمِنْ هُنا يُوَجِّهُ موران نَقْدًا حادًّا إِلى ما يُسَمِّيهِ «بَراديغْمَ التَّبْسيطِ»، أَيْ ذٰلِكَ النَّمُوذَجَ الفِكْرِيَّ الَّذي يَقومُ عَلى الفَصْلِ وَالاخْتِزالِ وَالتَّجْزيءِ. فَقَدِ اعْتَمَدَتِ العُلومُ الحَديثَةُ، مُنْذُ ديكارتَ، عَلى مَبْدَإِ تَحْليلِ الظَّواهِرِ إِلى عَناصِرِها الأَساسِيَّةِ، ثُمَّ دِراسَتِها بِشَكْلٍ مُنْفَصِلٍ. وَقَدْ أَتاحَ هٰذا المَنْهَجُ تَقَدُّمًا عِلْمِيًّا كَبيرًا، غَيْرَ أَنَّهُ أَدّى في الوَقْتِ نَفْسِهِ إِلى إِقْصاءِ العَلاقاتِ وَالسِّياقاتِ الَّتي تَمْنَحُ الظَّواهِرَ مَعْناها الحَقيقِيَّ.
في مُقابِلِ هٰذا النَّمُوذَجِ، يَقْتَرِحُ موران جُمْلَةً مِنَ المَبادِئِ الَّتي تُشَكِّلُ أَساسَ الفِكْرِ المُرَكَّبِ. وَمِنْ أَهَمِّ هٰذِهِ المَبادِئِ ما يُسَمِّيهِ «المَبْدَأَ الحِوارِيَّ»، وَهُوَ مَبْدَأٌ يَقومُ عَلى الاعْتِرافِ بِوُجودِ عَناصِرَ مُتَعارِضَةٍ وَمُتَلازِمَةٍ في الوَقْتِ نَفْسِهِ. فَالحَياةُ، عَلى سَبيلِ المِثالِ، تَجْمَعُ بَيْنَ النِّظامِ وَاللَّانِظامِ، بَيْنَ الاسْتِقْرارِ وَالتَّغَيُّرِ، بَيْنَ الوَحْدَةِ وَالتَّعَدُّدِ. وَلا يُمْكِنُ فَهْمُها عَبْرَ إِقْصاءِ أَحَدِ هٰذِهِ الأَبْعادِ، بَلْ عَبْرَ إِدْراكِ العَلاقَةِ الجَدَلِيَّةِ الَّتي تَرْبِطُ بَيْنَها.
وَيُضيفُ إِلى ذٰلِكَ مَبْدَأَ «العَوْدِيَّةِ التَّنْظيمِيَّةِ»، الَّذي يُعَبِّرُ عَنْ نَوْعٍ مِنَ السَّبَبِيَّةِ الدّائِرِيَّةِ. فَفي الأَنْظِمَةِ المُعَقَّدَةِ، لا يَكونُ السَّبَبُ مُنْفَصِلًا عَنِ النَّتيجَةِ، بَلْ تَتَداخَلُ الأَدْوارُ، بِحَيْثُ تُصْبِحُ النَّتيجَةُ سَبَبًا جَديدًا يُؤَثِّرُ في ما سَبَقَها. فَالْمُجْتَمَعُ يُنْتِجُ الأَفْرادَ، وَالأَفْرادُ يُعيدونَ إِنْتاجَ المُجْتَمَعِ، وَالثَّقافَةُ تُشَكِّلُ الإِنْسانَ، وَالإِنْسانُ يُعيدُ تَشْكيلَها.
أَمّا «المَبْدَأُ الهولوغْرامِيُّ»، فَيُمْثِّلُ إِحْدى أَعْمَقِ أَفْكارِ موران. وَيَعْني أَنَّ الجُزْءَ يَحْمِلُ في داخِلِهِ الكُلَّ، كَما أَنَّ الكُلَّ يَتَجَلّى في الجُزْءِ. فَالفَرْدُ يَحْمِلُ في داخِلِهِ المُجْتَمَعَ، بِقِيَمِهِ وَرُموزِهِ وَتاريخِهِ، وَالمُجْتَمَعُ لا يَقومُ إِلّا بِالأَفْرادِ. وَهٰذا التَّداخُلُ يَجْعَلُ الحُدودَ بَيْنَ الفَرْدِيِّ وَالجَماعِيِّ حُدودًا مَرِنَةً وَغَيْرَ صارِمَةٍ.
وَلا تَقِفُ فَلْسَفَةُ موران عِنْدَ هٰذا الحَدِّ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلى نَقْدِ فِكْرَةِ اليَقينِ المُطْلَقِ. فَهُوَ يَرى أَنَّ كُلَّ مَعْرِفَةٍ بَشَرِيَّةٍ تَبْقى عُرْضَةً لِلْخَطَإِ وَالوَهْمِ، وَأَنَّ الاعْتِرافَ بِهٰذا الأَمْرِ شَرْطٌ لِبِناءِ مَعْرِفَةٍ أَكْثَرَ نَضْجًا وَانْفِتاحًا. فَالعَقْلُ الَّذي يُدْرِكُ حُدودَهُ أَقْدَرُ عَلى النَّقْدِ وَالمُراجَعَةِ مِنْ عَقْلٍ يَدَّعي الاكْتِمالَ.
وَفي مَجالِ التَّرْبِيَةِ، يَدْعو موران إِلى إِصْلاحٍ جِذْرِيٍّ لِلنِّظامِ التَّعْليميِّ. فَهُوَ يَرى أَنَّ التَّعْليمَ يَنْبَغي أَنْ لا يَقْتَصِرَ عَلى نَقْلِ المَعْلوماتِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُعَلِّمَ كَيْفَ نُفَكِّرُ، وَكَيْفَ نَرْبِطُ بَيْنَ المَعارِفِ، وَكَيْفَ نُدْرِكُ السِّياقاتِ الَّتي تَنْتَظِمُ فيها الظَّواهِرُ. وَمِنْ هُنا جاءَتْ دَعْوَتُهُ إِلى تَعْليمٍ يُنَمِّي القُدْرَةَ عَلى التَّفْكيرِ المُرَكَّبِ، وَيُعَزِّزُ الحِسَّ النَّقْدِيَّ وَالمَسْؤولِيَّةَ الأَخْلاقِيَّةَ.
وَيَتَّصِلُ بِهٰذا كُلِّهِ مَفْهومُ «الوَعْيِ الكَوْكَبِيِّ»، الَّذي يُعَبِّرُ عَنْ بُعْدٍ إِنْسانيٍّ عَميقٍ في فِكْرِهِ. فَقَدْ أَصْبَحَتِ البَشَرِيَّةُ، في العَصْرِ الحَديثِ، مُجْتَمَعًا مَصيرِيًّا واحِدًا، تَتَشابَكُ فيه المَصائِرُ وَتَتَداخَلُ فيه الأَزَماتُ. وَمِنْ ثَمَّ يَدْعو موران إِلى تَعْزيزِ الشُّعورِ بِالانْتِماءِ الإِنْسانِيِّ العامِّ، مَعَ الحِفاظِ عَلى التَّنَوُّعِ الثَّقافِيِّ.
إِنَّ فَلْسَفَةَ إدْغار موران تَظَلُّ، في نِهايَةِ الأَمْرِ، دَعْوَةً إِلى إِعادَةِ التَّفْكيرِ في العالَمِ بِطَريقَةٍ أَكْثَرَ عُمْقًا وَتَعْقيدًا. إِنَّها فَلْسَفَةٌ تُقاوِمُ التَّبْسيطَ، وَتَحْتَفي بِالتَّرْكيبِ، وَتَدْعو إِلى فَهْمِ العَلاقاتِ بَدَلَ الاكْتِفاءِ بِالعَناصِرِ المُنْفَصِلَةِ. وَمِنْ هُنا تَنْبَعُ أَهَمِّيَّتُها في زَمَنٍ تَتَشابَكُ فيه الأَزَماتُ، وَيَتَعَقَّدُ فيه الوَاقِعُ، وَيَغْدو فيه التَّفْكيرُ المُرَكَّبُ ضَرورَةً لا خِيارًا.
أَهَمُّ المَراجِعِ الأَصْلِيَّةِ لِإِدْغار موران
* Morin, Edgar. La Méthode, 6 vols. Paris: Éditions du Seuil, 1977–2004.
* Morin, Edgar. Introduction à la pensée complexe. Paris: ESF Éditeur, 1990.
* Morin, Edgar. Science avec conscience. Paris: Fayard, 1982.
* Morin, Edgar. Les Sept Savoirs Nécessaires à l’Éducation du Futur. Paris: UNESCO, 1999.
* Morin, Edgar. Terre-Patrie. Paris: Seuil, 1993.
* Morin, Edgar. Penser l’Europe. Paris: Gallimard, 1987.
* Morin, Edgar. Pour sortir du XXe siècle. Paris: Nathan, 1981.
* Morin, Edgar. La Voie: Pour l’avenir de l’humanité. Paris: Fayard, 2011.
* Morin, Edgar. Éthique. Paris: Seuil, 2004.
* Morin, Edgar. Le Paradigme perdu: La nature humaine. Paris: Seuil, 1973.




التعليقات حالياً متوقفة من الموقع

البلقاء اليوم بالارقام

اسرار المدينة

شخصيات المحافظة

مقالات

هموم وقضايا