البلقاء اليوم -
وهم التـــميز: التصنيفات فخ وقعت فيه الجامعات
تتنافس الجامعات عالمياً على تحسين مواقعها في التصنيفات الدولية، لكن هذه المراتب لا تعكس بالضرورة جودة التعليم أو الأثر الحقيقي للمؤسسة. فاختلاف المعايير والأوزان، والاعتماد الكبير على السمعة والاستشهادات، يفتحان الباب أمام سؤال أساسي: ماذا تقيس التصنيفات الجامعية فعلياً؟ وتشكل هذه الدراسة الحلقة الثالثة من سلسلة نقدية لتفكيك نظام القياسات الاستشهادية الذي أعاد تشكيل الحياة الأكاديمية المعاصرة، ليس فقط كأدوات مساعدة، بل كآليات ضبط وتوجيه وتشويه للمعرفة ذاتها. تناولت الدراسة الأولى معامل تأثير المجلات بوصفه مؤشراً نشأ في سياق تاريخي محدد، ثم تحول تدريجياً إلى معيار يُعامل وكأنه مرآة موضوعية للجودة العلمية، رغم ما يعتريه من اختلالات منهجية وقابلية للتلاعب. أما الدراسة الثانية، فناقشت قائمة ستانفورد-إلسفير لأعلى (2%) من الباحثين الأكثر استشهاداً، كاشفة كيف يمكن لمؤشرات مركبة، مبنية على قواعد بيانات تجارية غير شفافة وافتراضات هشة، أن تنتج عبثية، حيث يصبح "الأثر" منفصلاً عن القيمة العلمية الحقيقية، وتتنافس فيها مصالح قواعد البيانات ذاتها مع إنجازات الباحثين.
وتواصل هذه الدراسة الثالثة المسار نفسه، لكنها تنتقل إلى فضاء أوسع: التصنيفات الجامعية العالمية. فهي تمثل مستوى آخر من الدراسة والتحليل، لمسعى يختزل مؤسسات بأكملها في درجة مركبة واحدة، وتخضع تنوع الرسالات والمهام لمنطق الجداول الترتيبية والتنافس على المكانة. والذي يجمع هذه الظواهر الثلاث هو الترابط البنيوي بين مؤشرات الاستشهاد، والتصنيفات، وصناعة النشر الأكاديمي. فمعامل التأثير حول المجلات إلى علامات تجارية؛ وقائمة ستانفورد-إلسفير حولت الباحثين إلى أرقام في سباق تراكمي أعمى؛ والتصنيفات الجامعية تخضع المؤسسات بأسرها لهرمية تنافسية، مختزلة رسالتها في مؤشر واحد. إننا أمام "ثلاثي شيطاني" للقياس الأكاديمي، حيث يضفي كل عنصر شرعيته على الآخر، ويضاعف أثره، فتعمل هذه الأدوات معاً في منظومة مترابطة: يعزز معامل التأثير مكانة المجلات، وتشهر قواعد الاستشهادات سمعة الباحثين، ثم تحول التصنيفات العالمية هذه المدخلات إلى هرم مؤسسي من التفوق والتبعية.
تقدم هذه الدراسة مساهمة مزدوجة: أولاً، تجمع في إطار واحد نقداً منهجياً مفصلاً، وتحليلاً للاقتصاد السياسي للتصنيفات، وقراءة تحررية لهندسة المعرفة العالمية. ثانياً، تتجاوز مجرد التشخيص إلى تقديم مبادئ عملية بديلة لتقييم المؤسسات الأكاديمية خارج منطق التصنيفات. والجدير بالتأكيد أن هذا النقد لا يعترض على التقييم المؤسسي أو المساءلة الأكاديمية في ذاتهما، بل على اختزال الجودة في مؤشرات كمية أحادية البعد تتحول فيها أدوات القياس إلى غايات مستقلة عن رسالة الجامعة.
وبذلك يستجيب هذا المقال لثغرة وصفتها الأدبيات الحديثة: أن النقد ظل حتى الآن مجزأً ومنشغلاً بعيوب منهجية فردية، بدلاً من أن يواجه المنطق النظامي للقياس المركب نفسه. ولقد تم الرجوع إلى ما يصل الى مائة وعشرين مرجعا، ولكن تم الاكتفاء بالأهم منها والاقتصار على 99 مرجعا، تيمنا بأسماء الله الحسنى جل وعلا.
مدخل مفاهيمي شهدت نظم التصنيفات الجامعية تحولاً عميقاً، فما بدأ كأدوات معلوماتية هامشية تطور ليصبح آليات حوكمة قوية تعيد تشكيل أولويات وسلوكيات وهويات مؤسسات التعليم العالي بشكل فعال. لم تعد التصنيفات أدوات تقييم ثانوية، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من صنع السياسات، وتخصيص الموارد، والاستراتيجية المؤسسية على نطاق عالمي. وتدعي دراستنا هذه أن سطوة التصنيفات تستند إلى ما يمكن تسميته "وهم التميز": ذلك الاعتقاد بأن الجودة الأكاديمية قابلة للاختزال في مؤشرات كمية محددة الأوزان. وكما يشير أوشر وسافينو (2007): "باختيار مجموعة معينة من المؤشرات، وتخصيص وزن معين لكل منها، يفترض واضعو هذه التصنيفات تعريفاً محدداً للجودة على المؤسسات". يخفي هذا الافتراض تحولاً معرفياً جذرياً. فالمعرفة التي كانت تُفهم كعملية معقدة، مرتبطة بالسياق، ومولدة للمعنى يتم إعادة تكوينها تدريجياً كمنتج قابل للحساب، منفصل عن مضمونها الفكري، ويعاد تعريفها من خلال مخرجاتها القابلة للقياس، فتفقد المعرفة روحها وثقة الناس بها.
يوضح قانون جودهارت المعروف العواقب السلوكية لهذا التحول: "عندما يصبح المقياس هدفاً، فإنه يتوقف عن كونه مقياساً جيداً". فمع الارتقاء بعدد الاستشهادات، ومعاملات تأثير المجلات، والتصنيفات المؤسسية إلى مؤشرات أولية للنجاح، تصبح هذه غايات في حد ذاتها. ويمكن أن تتطور هذه المشكلة إلى ما هو أكثر ضرراً عندما تحل المؤشرات محل ما يفترض أن تقيسه (ظاهرة الإحلال). فالباحثون يُعيدون توجيه أجنداتهم نحو الرؤية لا الأهمية، ويُحسّنون استراتيجيات نشرهم لخدمة الأداء لا المعرفة، وتُكافأ القيمة الأكاديمية بالتراكم العددي لا بالمساهمة الفكرية. والنتيجة محاكاة للجودة تحل محل الشيء الحقيقي.
تتعزز هذه الديناميكية هيكلياً من خلال البنى التحتية الببليومترية واسعة النطاق التي يديرها فاعلون تجاريون، وأبرزهم إلسفير من خلال سكوبس، وكلاريفت من خلال (WoS). هذه الأنظمة لا تفهرس المعرفة فحسب؛ بل تحدد الشروط التي تصبح بموجبها المعرفة مرئية، وقابلة للمقارنة، وذات أهمية. إنها تعمل في آنٍ واحد كمراجعين ومنتجين للقيمة الأكاديمية، ينتج عنهما نظامٌ يُعزز المؤسسات الأكثر ظهوراً والأقدر على الاستثمار في التسويق. ويتشكّل من ذلك قياسٌ محصور في حلقة مغلقة: ما يُفهرَس يُقاس، وما يُقاس يُكافأ، وما يُكافأ يُعاد إنتاجه. أما المعرفة الواقعة خارج هذه الأنظمة فتُستبعد بنيوياً، بصرف النظر عن جدارتها الفكرية.
وعلى خلفية ذلك، تخضع الجامعة نفسها لإعادة تعريف هادئة ولكنها ذات عواقب. لم تعد في المقام الأول موقعاً لإنتاج نقدي للمعرفة، بل أصبحت فاعلاً استراتيجياً ضمن اقتصاد المؤشرات. فبهذا تحولت الجامعة من أداة للسياسة الاجتماعية إلى عقدة رئيسية في اقتصاد المعرفة، يحكمها منطق الأدائية عوضاً عن الحقيقة. تدعم التصنيفات الآن تسلسلاً هرمياً يعزز نفسه بنفسه: تطلق الحكومات مبادرات تميز مصممة وفقاً لمعايير التصنيف؛ يتبنى مديرو الجامعات خططاً استراتيجية مصممة لتعزيز المراكز في الجداول الترتيبية؛ ويستوعب الأكاديميون السلوكيات المدفوعة بالمقاييس، من "تقطيع السلامي" للمنشورات إلى ملاحقة معاملات تأثير المجلات. وقد وثّق الباحثون في السياق العربي ظاهرةً لافتة: جامعات فرّغت أعضاء هيئة تدريس من تخصصات مهنية (كالطب وغيره)، بعضهم في مرتبة أستاذ أو نائب رئيس، لإدارة ملفات التصنيفات والجودة — وهي مهام يمكن أن يضطلع بها موظف إداري متخصص. ولا يُعدّ هذا استثناءً بل نمطاً بنيوياً يكشف كيف أن سطوة التصنيفات أعادت تخصيص رأس المال الأكاديمي من إنتاج المعرفة إلى إدارة الصورة. إن استمرار التصنيفات على الرغم من الأدلة الدامغة على عيوبها هو أحد أعراض التأثيرات للنيوليبرالية: أُعيد تشكيل الجامعات على صورة التصنيفات، وليس العكس.
إن ما هو على المحك في هذا التحليل ليس منهجياً فحسب، بل هو مفاهيمي أساساً. قدر كبير من الأدبيات النقدية الموجودة يظل محاصراً داخل الإطار الذي يسعى إلى استجوابه. إن الانتقادات المنهجية التي تركز على صحة المؤشرات، وأوزانها، ومتانتها الإحصائية تؤكد ضمنياً على شرعية القياس نفسه. وبفعل ذلك، فإنها تحول الانتباه من شرعية وجودية التصنيف إلى تنفيذه التقني. يصبح النقد آلية للتحسين بدلاً من التعطيل، مما يحسن أدوات القياس مع ترك افتراضاتها الأساسية سليمة. نادراً ما يُطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: لماذا نصنف أصلاً؟
الأستاذ الدكتور حمود سالم العليمات باحث مختص بالشؤون الاجتماعية والاكاديمية في القسم التالي من الدراسة نقدا بل نقضا تحليلاي لبنية منهجيات نظم التصنيف السائدة.
ثانياً: نقض البنية المنهجية للتصنيفات: على الرغم من تعدد التصنيفات العالمية للجامعات واختلاف أساليبها الظاهرية، فإنها تتشارك جميعاً في عملية واحدة: اختزال مؤسسة معقدة، متعددة الوظائف والرسائل، إلى درجة مركبة واحدة أو ترتيب رقمي واحد. يستعرض هذا القسم أولاً أبرز هذه التصنيفات وما تقيسه فعلياً، قبل أن ينتقل إلى نقض الأصول المنهجية والإجرائية التي تقوم عليها
تعريف موجز بالتصنيفات الشائعة وملاحظات خاصة بها:
(QS) هيمنة التصنيفات وتسليع الأكاديميات: يحتل QS موقعاً متميزاً ومثيراً للجدل، ليس بسبب تصميمه المنهجي فقط، بل بسبب النظام البيئي المؤسسي الأوسع الذي يعمل ضمنه؛ فهو يعمل في الوقت نفسه كمزوّد للتصنيف، ووسيط بيانات، وفاعل استشاري تجاري، وهذا الدور المركب يثير مخاوف جوهرية بشأن الصلاحية البنائية والاستقلالية ونزاهة نتائج التصنيف. وعلى المستوى المنهجي، يتسم QS باعتماده الكبير على مؤشرات السمعة والبحث، إذ تُهيمن هذه المحاور على غالبية الدرجة الإجمالية. فوفق منهجيته الحالية المستندة إلى تصنيف 2025، تتوزع الدرجة الكلية على خمسة محاور: البحث والاكتشاف (50%)، ويضم السمعة الأكاديمية (30%) والاستشهادات لكل عضو هيئة تدريس (20%)؛ والتوظيف والمخرجات (20%)، ويشمل سمعة أصحاب العمل (15%) ونتائج التوظيف (5%)؛ والانخراط الدولي (15%)، موزعاً على أربعة مؤشرات متساوية تتعلق بنسب أعضاء هيئة التدريس والطلبة الدوليين وشبكة الأبحاث الدولية؛ وتجربة التعلم (10%)، ممثلةً بنسبة الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس فحسب؛ والاستدامة (5%). وما يكشفه هذا التوزيع بجلاء أن السمعة الأكاديمية وحدها تستأثر بـ 30% من الدرجة الكلية، وهي مؤشر ذاتي يلتقط الاعتراف ورأس المال الرمزي أكثر مما يقيس جودة مؤسسية قابلة للإثبات. في حين لا تحظى تجربة التعلم إلا بـ 10%، مختزلةً في مؤشر واحد هو نسبة الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس. وعلى الرغم من إعادة الهيكلة الأخيرة، يظل البحث والسمعة معاً يستأثران بنصف الدرجة الكلية، بينما تبقى تجربة التعليم هامشية. ولا يعكس هذا التوزيع أولويات طلابية أو مجتمعية حقيقية، بل يعكس افتراضاً راسخاً مفاده أن الإدراك الجماعي للسمعة بديل مقبول عن جودة التجربة التعليمية.
أما إضافة "الاستدامة" بوزن 5%، فلا تعدو أن تكون واجهة تسويقية تُضفي طابع المسؤولية الاجتماعية على نظام يظل في جوهره مرتكزاً على السمعة والاستشهادات، أي أنه تحسين في الشكل لا في الجوهر. وكما يقول فيرنون وبالاس ومومني (2018): "التصنيفات التي تعتمد بشكل كبير على السمعة الذاتية والمؤشرات 'الترفيهية'، مثل أعضاء هيئة التدريس الحاصلين على جوائز أو الخريجين الذين يشغلون مناصب تنفيذية رفيعة، ليست مناسبة لمبادرات تحسين الأداء الأكاديمي أو البحثي.
(QS) من المقيّم إلى مزوّد الخدمات: إن المخاوف المنهجية ليست المشكلة الوحيدة؛ فعند فحص النموذج التجاري الذي تقوم عليه عمليات QS يبرز نقد أعمق. فعلى مدى العقد الماضي، وسّع QS أنشطته إلى ما وراء إنتاج التصنيف، ليشمل محفظة واسعة من الخدمات تضم الاستشارات، وتحليلات البيانات، ودعم العلامات التجارية، وتطوير الاستراتيجيات المؤسسية. وتُشجَّع الجامعات على المشاركة في ورش العمل والدورات التدريبية والبرامج الاستشارية التي ينظمها QS، والمصممة "لتحسين فهم" منهجيات التصنيف و"تعزيز الموقع المؤسسي". وهذه الخدمات، رغم تقديمها كمبادرات لبناء القدرات، تُدخل تضاربا(هيكلياً) في المصالح بين التقييم والتأثير.
وهذا الدور المزدوج كمقيّم ومقدّم خدمات يعني أن المؤسسات المتعاملة مع الخدمات الاستشارية لـ QS تحصل على رؤى منهجية مفصلة، وأدوات قياس مرجعي، ونصائح استراتيجية لتحسين أدائها وفقاً لمؤشراته، مما يخلق عدم تماثل في الوصول إلى هذه الموارد بين المؤسسات. والأهم أن هذا يثير احتمال أن نتائج التصنيف لا تُحدَّد بالأداء المؤسسي فقط، بل تتأثر أيضاً بدرجة التفاعل مع مزوّد التصنيف نفسه. وقد كشف تشيريكوف (2023) أن الجامعات التي تدخل في علاقات تعاقدية مع QS تشهد تحسناً ذا دلالة إحصائية في مراكز تصنيفها، حتى عند ضبط مؤشرات الأداء الأخرى.
تصنيف تايمز للتعليم العالي (EHT) تعقيد بلا وضوح: يقدم هذا التصنيف نفسه على أنه الأكثر شمولاً، باستخدام (18) مؤشراً، لكن التعقيد لا يضمن الصلاحية. فالتدريس، مثلاً، لا يُقاس مباشرة بل يُستدل عليه عبر بدائل كنسبة الموظفين إلى الطلبة، والدخل المؤسسي، واستبيانات السمعة؛ وهذه تلتقط الموارد والتصورات لا العمليات التعليمية نفسها. كما أن عمليات "تطبيع البيانات" فيه غير شفافة بالكامل، مما يحد من قابلية التكرار. وكما وصفه بعض الملاحظين بعبارة ساخرة: إنه يصنع فوضى منظمة ثم يسميها "شمولية".
تصنيف شنغهاي (UWRA) نخبوية بحثية تقدّس الجوائز وتتجاهل النتائج: يركز تصنيف شنغهاي بشكل شبه حصري على جوائز نوبل والمنشورات في الدوريات المرموقة (Nature/Science)، مما يمنحه طابعاً نخبوياً يفضّل الجامعات العريقة في الغرب، ويتجاهل تماماً جودة التدريس أو التأثير المجتمعي. والأخطر أنه يجعل التاريخ الأكاديمي، لا الأداء الحالي، عاملاً حاسماً: فجامعة عريقة جمعت جوائز نوبل في الستينيات تظل متقدمة عقوداً لاحقة، بينما لا تستطيع مؤسسة حديثة ذات إنتاج بحثي ممتاز منافستها. وكغيره من التصنيفات، يرسّخ ARWU تفضيلاً لنموذج الجامعة البحثية الغربية التقليدية، وخاصة المؤسسات ذات الإرث البحثي الطويل والحضور العالي في العلوم الطبيعية والطبية.
تصنيف ليدن دقة ببليومترية ناقصة: يتفوق تصنيف ليدن بشفافيته واعتماده على المؤشرات الببليومترية فقط، متجنباً الدرجات المركبة، لكن الثمن باهظ: فهو يستبعد التدريس والحوكمة والأثر المجتمعي بالكامل، مختزلاً الجامعة إلى ملف نشرها. إنها دقة حسابية على حساب العمق المفهومي، وقد بيّنا في المقال الأول من هذه السلسلة، حول صناعة الاستشهادات، خطل الاعتماد على هذه المؤشرات.
تصنيف ويبومتريكس سراب الحضور الرقمي: يقيّم ويبومتريكس الجامعات بناءً على حضورها الرقمي وتأثيرها على الإنترنت، فيخلط مباشرة بين الظهور والقيمة. ويمكن التلاعب بهذه المؤشرات بسهولة عبر استراتيجيات تحسين محركات البحث (SEO) والتسويق الإلكتروني، فتتمكن جامعات متواضعة الجودة الأكاديمية من تحسين ترتيبها عبر حملات رقمية ذكية، بينما تُهمَّش مؤسسات جادة لكنها ضعيفة التسويق. وبهذا يضعف اعتماد ويبومتريكس على مؤشرات الحضور الرقمي العلاقة بين الترتيب والجودة الأكاديمية الفعلية.
خطايا التصنيفات وجناياتها: يتناول هذا القسم الفرعي نقض الأصول المنهجية والإجرائية التي تقوم عليها التصنيفات، بدءاً من قواعد البيانات التي تستند إليها، مروراً بالافتراضات الإحصائية التي تُبنى عليها درجاتها المركبة، وانتهاءً بمدى استقرارها عبر الزمن. هيمنة قواعد البيانات التجارية وهشاشة البيانات الذاتية:
تعتمد التصنيفات على قواعد بيانات تجارية كبرى تابعة لعملاقي النشر (كلاريفيت وإلسفير)، تعكس هيمنة المجلات الإنجليزية والحقول العلمية والطبية. وكما يشير مصطفى (2025): "غالباً ما تكون البيانات المستخدمة في التصنيفات الجامعية معتمة وغير متاحة للمقارنة أو إمكانية التكرار." فهذه القواعد تركز بطبيعتها على الحقول كثيرة الاستشهاد، بينما يبقى تمثيل العلوم الاجتماعية والإنسانية، وكذلك الإنتاج العلمي بلغات غير الإنجليزية، محدوداً وغير منصف. فقاعدة WoS، مثلاً، لا تغطي سوى نحو 9% من مجلات الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، ترتفع إلى 18% فقط في Scopus - نسب تكشف اختلالاً بنيوياً في تمثيل الحقول المعرفية. كما يظهر انحياز جغرافي واضح لصالح مجلات الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا، بينما يبقى الإنتاج العلمي من الصين وروسيا والبرازيل وسائر دول آسيا وأفريقيا مهمشاً إلى حد بعيد.
وإلى جانب هذا الاختلال المعرفي والجغرافي، تعتمد كثير من مؤشرات التصنيف على بيانات تقدمها الجامعات ذاتياً، وهو ما يفتح المجال أمام أشكال متعددة من التلاعب أو "تجميل" البيانات المؤسسية. كما تعاني استبيانات السمعة الأكاديمية - التي تشكل ركناً أساسياً في بعض التصنيفات - من مشكلات منهجية مزمنة، أبرزها انخفاض معدلات الاستجابة، والتحيز في اختيار العينات، وضعف الاستقرار والاتساق عبر الزمن، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول موثوقية هذه المؤشرات وصلاحيتها لقياس الجودة الأكاديمية الحقيقية. وعلى الرغم من أن مزوّدي التصنيفات يقدمون عادة إرشادات لإعداد التقارير، فإن المرونة المتأصلة في تعريفات البيانات تسمح للمؤسسات بالانخراط في إعداد تقارير استراتيجية. وكما يجادل سوه (2017)، فإن هذه الممارسات تجسّد المشكلة الأوسع لـ “التلاعب" داخل أنظمة التصنيف، حيث تعمل المؤسسات على تحسين أدائها المُبلَّغ عنه بدلاً من نتائجها الفعلية. وتطرح طريقة تجميع هذه البيانات في درجة مركبة واحدة مشكلات إحصائية ومنهجية أعمق، يتناولها العرض التالي:
التكميم والترقيم: كيف تبني التصنيفات ما تدعي قياسه؟ تعاني التصنيفات العالمية للجامعات من مشكلات منهجية وإحصائية عميقة، حدّدها سوه (2017) في "الخطايا السبع المميتة": (أ) الدقة الزائفة، حيث تُضخَّم الفروق الرقمية البسيطة بين الجامعات وكأنها فروق جوهرية، (ب) التناقض بين الأوزان المعلنة والفعلية للمؤشرات، (ج) افتراض إمكانية تعويض الضعف في مجال أكاديمي بالقوة في مجال آخر غير مرتبط، (د) تكرار المؤشرات وتشابهها بما يخلق وهماً بالشمولية، (ه) التناقض بين أنظمة التصنيف المختلفة التي تمنح الجامعة نفسها مراكز متباينة، (و) التركيز المفرط على الترتيب النهائي على حساب درجات المؤشرات التفصيلية الأكثر فائدة للتطوير المؤسسي، وأخيرا (ز) عدم الاتساق بين تغيُّر الترتيب وتغيُّر الدرجة الكلية، فقد تتحسن مرتبة الجامعة رغم انخفاض أدائها الفعلي، أو العكس.
ويوضح جونز (2018) أن فترات الثقة حول درجات تحليل مغلف البيانات تجعل معظم الجامعات غير قابلة للتمييز إحصائياً عن أقرانها. أما المؤشر المركب نفسه فهو "زواج قسري" لعناصر غير قابلة للقياس المشترك؛ فتحليل المكونات الرئيسية يكشف أن مؤشرات التصنيف تنهار في النهاية إلى بعدين أو ثلاثة فقط (البحث، السمعة، التدويل)، تضاف إليها حساسية النتائج لطرق التطبيع والأوزان التعسفية، كما ورد في دليل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولذلك فإن "العديد من الفروقات بين الجامعات المتجاورة في الترتيب صغيرة جداً، والفرق لا يكون فارقاً إلا إذا أحدث فارقاً". وكما يشير مارغينسون (2014): "غالباً ما تُرتَّب المؤسسات ترتيباً عددياً حتى عندما تكون الفروقات في البيانات غير ذات دلالة إحصائية." وفضلاً عن ذلك، لا تقتصر التصنيفات على قياس الأداء، بل تعيد تشكيل معايير الجودة الأكاديمية نفسها؛ فلا توجد نظرية علمية لـ “أفضل جامعة"، بل قواعد تعسفية مدفوعة تجارياً. وتقوم التصنيفات على عمليتين معرفيتين متتاليتين: التكميم، وهو اختزال الصفات المعقدة إلى أرقام وتفضيل ما يمكن عدّه على حساب ما هو قيّم وأقل قابلية للقياس؛ والترقيم، وهو ترتيب هذه الدرجات في سلّم تصاعدي يعزز وهم الدقة ويجعل الترتيب مؤشراً مضللاً للأداء المطلق. وبهاتين العمليتين يُصنع الاعتقاد بأن رتبة واحدة تلتقط المكانة الحقيقية، بينما التصنيفات في الواقع غير مستقرة وحساسة لأدنى تغيير في الأوزان أو طرق تطبيع البيانات.
مأزق تأليف المختلفات: يكمن جوهر التعسف في أنظمة التصنيف في تجميع مؤشرات غير متجانسة تماماً - كالسمعة (وهي ذاتية)، ونسب التدريس (وهي هيكلية)، والاستشهادات (وهي ببليومترية) - في درجة واحدة، بافتراض جزافي أن هذه الأبعاد قابلة للمقارنة ويمكن دمجها بشكل ذي معنى، وهو افتراض تعرّض لانتقادات واسعة في أدبيات القياس والمؤشرات المركبة، كما أوضحنا في المقال الثاني من هذه السلسلة. ومن أخطر مظاهره التحيز التعويضي فأداء عالٍ في مجال واحد قد يعوّض فشلاً كارثياً في مجال آخر، فتتصدر جامعة بحثها ممتاز وتدريسها سيئ جداً جامعةً تدريسها ممتاز وبحثها متوسط، لمجرد أن وزن البحث أعلى - دون أي مبرر أكاديمي لذلك. ثم يأتي تحويل الدرجات إلى مراتب، الذي يحوّل اختلافات طفيفة (كالفرق بين 95.2 و95.1) إلى فجوات ترتيبية كبيرة، فيصنع تصوراً لفروق جوهرية لا سند إحصائي لها.
إشكالية التحيز الحجمي: ولا يقف الأمر عند هذا الحد: فقد أظهر دوكامبو وكرام (2015) أن مؤشرات ARWU المعتمدة على الأعداد المطلقة - كعدد المنشورات والجوائز - تمنح الجامعات الكبيرة ميزة منهجية، وأن مؤشر "الحجم" الوحيد المقترح، بوزن 10%، لا يعوّض هذه الميزة بشكل كافٍ. وبمقارنة خمسة أنظمة تصنيف عالمية، يؤكد مويد (2017) أن التحيزات تجاه العلوم الطبيعية والطب واللغة الإنجليزية متأصلة في جميعها تقريباً، باستثناء U-Multirank الذي لا يزال في مراحله الأولى، ويخلص إلى أنه لا يوجد نظام تصنيف واحد يقدم صورة شاملة أو محايدة للأداء المؤسسي.
الاستقرار الزمني للتصنيفات:
والأكثر إشكالية أن هذا الاضطراب ليس ظاهرة عابرة. فقد حلّل سلتن وآخرون (2020) تطور تصنيفات ARWU وTHE وQS على مدى ست سنوات، فوجدوا أن التغيرات في المواقع تكون كبيرة بشكل خاص ضمن النصف الأدنى من القوائم - أي بعد المرتبة 200 تقريباً - مما يجعل التصنيفات غير مستقرة بشكل منهجي للمؤسسات خارج النخبة العالمية. فالفارق بين جامعة في المرتبة 300 وأخرى في المرتبة 400 قد يعود ببساطة إلى عوامل عشوائية أو تغيير طفيف في منهجية التصنيف، لا إلى أداء أكاديمي حقيقي.
ثالثاً: النقد المضاد: تفنيد الدفوع الشائعة عن التصنيفات: إنصافاً، يجب الاعتراف بأن للتصنيفات مدافعين يقدمون حججاً تبدو معقولة ظاهرياً، وفيما يلي تفنيد لأهم ثلاثة منها:
* الدفع الأول: "التصنيفات تمنح الطلبة والعائلات معلومات شفافة للمقارنة بين الجامعات" - الرد: الطلبة من الأسر ذات الدخل المنخفض هم الأقل استخداماً للتصنيفات، بينما يستخدمها الطلبة الميسورون لتعزيز مكانتهم. التصنيفات لا تقيس ما يهم الطلبة فعلاً، مثل جودة التدريس، والدعم الأكاديمي، وفرص العمل المحلية. كما أن العلاقة بين الترتيب والرسوم الدراسية تعني أن التصنيفات تساهم في رفع التكاليف، وليس في تحسين الشفافية، وكما أثبتنا في هذا المقال فإن التصنيفات ليست مقاييس موضوعية ولا محايدة، ولا تملك أصلاً القدرة على قياس الجودة الأكاديمية الحقيقية.
الدفع الثاني: "التصنيفات تحفز الجامعات على تحسين أدائها" - الرد: هذا صحيح فقط إذا كان "الأداء" معرفاً بمؤشرات التصنيف. الأداء الحقيقي للجامعة يشمل تنشئة مواطنين صالحين فعالين متنورين، ناقدين، وكذلك حل مشكلات مجتمعية، وإنتاج معرفة بلغات متعددة، بينما تحفز التصنيفات تضييق نطاق الأداء إلى ما يمكن قياسه بسهولة، وهو تشويه للرسالة الجامعية وليس تحسيناً لها.
* الدفع الثالث: "البديل هو الفوضى، فلا بد من معيار ولو ناقص" - الرد: هذا يخلط بين غياب الكمال وغياب الصلاحية. المظلة الناقصة لا تصلح مقياساً لكمية الأمطار، والتصنيفات الناقصة منهجياً وأخلاقياً لا تصلح أساساً لقرارات مصيرية بشأن تمويل الجامعات وتوظيف الأساتذة واستقطاب الطلبة. الحاجة إلى تقييم لا تبرر استخدام أدوات فاسدة، والبديل ليس الفوضى، بل تقييمات متعددة الأبعاد قائمة على السياق والسرد النوعي، والمعنى الحقيقي للتعليم العالي والبحث العلمي.
رابعاً: المغيبون (قسرياً): إقصاء منهجي للوظائف الجوهرية للجامعة: لا تقيس أنظمة التصنيف العالمية إلا جزءاً ضيقاً قابلاً للقياس الكمي من أداء الجامعات، بينما تهمل بشكل منهجي وظائفها الجوهرية التعليم وتعلُّم الطلبة، والبحث المسؤول، وخدمة المجتمع. وهذا الإهمال ليس مجرد ثغرة تقنية قابلة للإصلاح بتعديل الأوزان، بل هو إقصاء بنيوي يعيد إنتاج نموذج جامعي نخبوي بحثي متمركز غربياً، على حساب رسالة التعليم الأساسية وقيم العدالة والإنصاف. وفي ما يلي عرض لأبرز هؤلاء المغيبين:
أ: إقصاء الطلبة وتعلمهم – غياب الفاعل المركزي إن المفارقة الأكثر إدانةً لأنظمة التصنيف هي أن الطلبة - الفاعل المركزي في أي جامعة - غائبون تقريباً عن معظم نماذج التصنيف. ففي دراسة نوعية، لم يذكر أي من الطلبة المشاركين المؤشرات التقليدية التي تعتمدها التصنيفات (مثل عدد الاستشهادات أو حجم التمويل البحثي أو نسبة أعضاء هيئة التدريس
-
مجالس أمناء الجامعات .. قرار جديد يمهد لتغييرات مرتقبة في قطاع التعليم الأردني ..
قرر مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد... -
محكمة أمريكية تقضي بعدم دستورية ترحيل طلاب انتقدوا إسرائيل
محكمة أمريكية تقضي بعدم دستورية ترحيل طلاب... -
البلقاء التطبيقية تختتم برنامجاً تدريبياً لطالبات من فلسطين
البلقاء التطبيقية تختتم برنامجاً تدريبياً... -
الطالب في جامعة العلوم التطبيقية أسامة المرايطة في ذمة الله
بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن... -
الاردن .. التربية: تم الاتفاق مع مصر على قبول الطلبة الأردنيين من الحقل الصحي في كليات الطب
الاردن .. التربية: تم الاتفاق مع مصر على قبول... -
الأستاذ الدكتور محمد صايل الزيود عميدًا لأكاديمية الشارقة للتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة
#الأستاذ #الدكتور #محمد #صايل #الزيود عميدًا... -
-
"التعليم العالي" يواصل خفض مقاعد الطب وطب الأسنان .. 640 مقعداً فقط للطب العام المقبل
أكد مدير وحدة تنسيق القبول الموحد مهند الخطيب،...
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع
الرجاء الانتظار ...