الأربعاء ,21 أكتوبر, 2026 م
الرئيسية موقف البلقاء اليوم دكتورة مع وقف التنفيذ .. عندما يصبح الطموح تهمة والشغف قضية .. بقلم: د. منى الواكد

دكتورة مع وقف التنفيذ .. عندما يصبح الطموح تهمة والشغف قضية .. بقلم: د. منى الواكد

99

البلقاء اليوم -
دكتورة مع وقف التنفيذ.. عندما يصبح الطموح تهمة والشغف قضية
يقال إن العمر الحقيقي للإنسان هو ما ينجزه، لا ما يعيشه من سنوات. لكن في واقعنا أحيانًا، يتحول الطموح العالي إلى تهمة، وتصبح سنوات التعب والعرق مجرد أرقام تُهدرها قوانين جامدة. لقد آمنتُ يومًا أن العلم هو الملاذ والحرية، فصنعتُ من اليأس سُلَّمًا، ومن العقبات وقودًا، لأتفاجأ بأن النهاية التي كنت أرسمها لحلمي كادت أن تُجهض بقرارات ومحسوبيات لا ترحم. هذه حكايتي؛ حكاية دكتورة وُلدت من رحم المعاناة، لتبقى اليوم.. مع وقف التنفيذ.
لم يكن انقطاعي المبكر عن التعليم في الصف السابع مجرد تقاعس، بل كان بسبب ظروف التنقل والترحال المستمر بين السعودية والأردن خلال مرحلتي الدراسية، إضافة إلى ضعفي حينها في مادة اللغة الإنجليزية؛ مما ترك في نفسي جرحًا غائرًا ظَلّ ينزف شغفًا وشوقًا للمدرسة والكتّاب.
مرت السنوات وتزوجت، لكنّ العلم بالنسبة لي لم يكن مجرد مرحلة عابرة أو شهادة تُعلّق؛ والله لقد كان عشقًا، كان إدمانًا يتنفسه وجداني، فلم أحبّ شيئًا في حياتي كما أحببت العلم والتعليم.
بدأتُ رحلة التحدي من محطة الثانوية العامة؛ حيث أخفقتُ فيها أربع مرات متتالية، لكنّ الإصرار الذي يُخالط دمي أبى إلا أن أرفع الراية من جديد، فقررتُ إعادة كافة المواد في فصل دراسي واحد ونجحت!
ومن هنا انطلقتُ في رحلة البكالوريوس، وفيها عانيتُ ما عانيت؛ إذ اضطررتُ للعمل في مهنٍ مختلفة، أتنقل بينها وأقبلُ بها على أنها مرحلة مؤقتة، فقط حتى أتمكن من إكمال دراستي وأتسلح بسلاح العلم الذي آمنتُ به. أردتُ أن أتعين وأصبح معلمة أمارس من خلالها شغفي، وكنت كل يوم —دون مبالغة— أفتح موقع ديوان الخدمة المدنية لأتفقد ترتيبي ورقمي التنافسي. ولأن الحلم كان يكبَر بي ومَعي، أكملتُ دراسة الماجستير، لا رغبةً في ألقابٍ زائفة، بل حبًا في تقديم التعليم الذي أعشقه، وأملًا في أن أستقل ماديًا وأعيش ما تبقى من عمري بحرية وأمان.
ثم اتسعت المدارك، وتساءلتُ: لِمَ لا أكمل الدكتوراه؟
اخترتُ الجامعة الأردنية —أمّ الجامعات وأفضلها— لعلها تكون البوابة الأسرع للتعيين والعمل. سألتُ واستفسرتُ، والجميع أكدوا لي أن لخرّيج الجامعة الأردنية ميزة خاصة وفرصة أكبر. واصلتُ الليل بالنهار، عالجتُ ضعفي القديم، أخذتُ كل الدورات المتاحة، أتقنتُ اللغة الإنجليزية التي كانت يومًا سبب انقطاعي، حتى نلتُ درجة الدكتوراه بجهدي وعرقي.
وصلتُ في ديوان الخدمة المدنية إلى الرقم (2).. اقتربتُ كثيرًا، لم يبقَ بيني وبين الرقم الوزاري وتجسيد الحلم سوى خطوة واحدة! كنت أريد فقط أن أخلص من كلمة "معلمة بديلة"، بعد أن تنقلتُ في التعليم الإضافي بين كل مدارس منطقتي، وعانيت ما عانيت، وباذلةً كل ما بوسعي من عطاء وإخلاص.
وفجأة.. جاءت الصدمة التي أطفأت نسيج سنوات من التعب: "تم إيقاف طلبكِ بسبب تجاوز العمر القانوني!"
بكيتُ.. صرختُ بأعلى صوتي، ولكن هيهات هيهات، من يسمع ألم روحٍ بذلت كل شيء؟
أصبح الجميع يلومونني، يتهمني المقربون بأنني أنفقتُ مبالغ طائلة على التعليم دون جدوى! بل إن أعز زميلاتي قالت لي يومًا بلغة يكسوها العتب القاسي: "ليتكِ أنشأتِ مشروعًا تجاريًا بتلك الأموال بدلًا من شهادة الدكتوراه الملقاة في البيت!" قيل هذا وكأن العلم سلعةٌ تُقاس بالأرباح والخسائر، وكأن سنوات البحث والتعب والجهد لا تساوي شيئًا إن لم تترجم بوظيفة.
قلتُ لنفسي متماسكةً رغم جراح الكلمات: "وما لي ولديوان الخدمة؟ أنا الآن أمتلك درجة الدكتوراه وسأعمل في الجامعات." قدمتُ طلبات توظيف في كل الجامعات والكليات، يحدوني الأمل أن تكون المفاضلة على أساس الدرجات العلمية والجهد المبذول، لكن المفاضلة في واقعنا تأتي دائمًا عبر المحسوبيات والواسطات، أو ربما لأنني لا أرتدي "الرداء العصراني" ولا أضع المساحيق التي تتطلبها بعض الصور النمطية، فأصبحت شهادتي وكأنها غير موثوقة!
أكتب هذه المقالة والدموع تملأ عيني.. هل ذنبي أنني اجتهدت؟ أم ذنبي أنني آمنتُ بالعلم في زمن تعزّ فيه الكفاءة؟
لقد أصبحتُ اليوم.. "دكتورة مع وقف التنفيذ".
بقلم: د. منى الواكد




التعليقات حالياً متوقفة من الموقع

البلقاء اليوم بالارقام

اسرار المدينة

شخصيات المحافظة

مقالات

هموم وقضايا