البلقاء اليوم - الخطر "الإسرائيلي" على الأردن لا يشبه غيره..
راكان السعايدة
الخطر "الإسرائيلي" على الأردن لا يشبه غيره؛ ليس لأن الأخطار الأخرى غير حقيقية أو جدية، وإنما لأن "إسرائيل" تعمل على إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والسياسية والأمنية المحيطة بالأردن.
وهذا ما يجعل نتائج أفعالها تمس مباشرة أمن الأردن واستقراره، وبخاصة حين تتحول الوقائع التي تصنعها في جواره القريب إلى أعباء يضطر إلى التعامل معها، وربما إدارة نتائجها.
تتحرك "إسرائيل"، وتحدث تغييرات، في جهتين مهمتين للأردن: شمالاً في جنوب سوريا، وغرباً في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وفي الحالتين، لا تتعلق المسألة بتهديدات عسكرية بقدر ما تتعلق بإحداث تغييرات شديدة الخطورة بمقاييس الأمن القومي الأردني.
أولاً: شمالاً، تتمدد "إسرائيل" في سوريا، وتخلق وقائع جديدة على الأرض، في مسعى لتوسيع نفوذها في جنوبها، وفي هذا السياق تضع يدها على مصادر المياه، وقد تجد الظروف مواتية لاستحضار مشروعها المسمى "ممر داود". وإذا تحول هذا التمدد إلى نفوذ طويل الأمد، فإنه لن يبقى شأناً سورياً، بل سيصبح عاملاً في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالأردن، عبر الوجود والممر.
لأن تحول "ممر داود" إلى واقع، سيعيد رسم الجغرافيا ومسارات الطاقة والمياه والربط الإقليمي، بما ينعكس سلباً على الأردن، كعقدة ممرات إقليمية محتملة، وبالتالي على مصالحه الاقتصادية.
"إسرائيل" الرسمية لا تقول بذلك علناً، وهي تكتفي، في أقلّه مرحلياً، بتثبيت وجودها في جنوب سوريا، وتبرره بحاجتها إلى منطقة عازلة لحماية أمنها، وهو تبرير لا يحول دون احتمال وجود أهداف أوسع من مجرد إنشاء منطقة عازلة، وصولاً إلى تكريس نفوذ طويل الأمد في الجنوب السوري، بما قد يعزل الأردن عن عمقه الاستراتيجي السوري، ويهدد أمنه من خاصرته الرخوة.
ثانياً: غرباً، وهو الأخطر والأشد اتصالاً بالأمن القومي الأردني؛ لأن ما تنفذه في الضفة الغربية والقدس المحتلتين يتجاوز صنع وقائع جديدة على الأرض إلى إعادة تشكيل القضية الفلسطينية بطريقة تضع الأردن في مواجهة مباشرة مع نتائجها وأكلافها.
ومن أخطر السيناريوهات، أردنياً، الاتجاه "الإسرائيلي" إلى ضم المنطقة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، فيما تبقى مناطق (أ) و(ب)، مع احتمال ضم أجزاء منها، تحت هيمنتها، أمنياً وعسكرياً.
وأن تسيطر "إسرائيل" على المنطقة (ج) يعني أنها تحكم قبضتها على الأغوار، والأمر هنا يعني تغييراً في البيئة الجغرافية والأمنية على الحدود مع الأردن.
وإذا أضفنا إلى ذلك واقع القدس؟ ببساطة، الصورة تبدو هناك أكثر تعقيداً، فـ"إسرائيل" تعمل على عزلها عن محيطها الفلسطيني، عبر مخطط (E1) الذي يربط بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس الشرقية، وهذا المخطط يهدد التواصل الجغرافي للضفة، ويفصل شمالها عن جنوبها.
بالتوازي، تشهد المقدسات في القدس تصاعداً مطرداً في إجراءات تمس الوضع القائم؛ كثافة في الاقتحامات، وطقوس دينية تُمارس بشكل غير مسبوق، وتعميق سياسة التقسيم الزماني والمكاني، إلى تضييق كبير على دور الأوقاف الإسلامية.
بالنتيجة، فإن ما يحدث في الضفة والقدس يقوض إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية، كما يعني أن التهجير القسري، في أحد أسوأ سيناريوهاته، قد يدفع أعداداً كبيرة من أبناء الضفة إلى الأردن.
بأي معنى نفهم كل ذلك..؟
لا يعني ما يحدث أن هناك تنفيذاً شاملاً وفورياً لما يُطرح تحت عنوان مشروع "إسرائيل الكبرى"، لكن ما يمكن فهمه، والحذر منه، أن كل هذه الخطوات تأتي في سياقه، وأن "إسرائيل" تريد تثبيت سيطرتها على أوسع حيز جغرافي ممكن في جنوبي سوريا ولبنان، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإن ضم أي جزء من الضفة الغربية يعني أن تنتقل نتائج هذا الضم، بشكل شبه آلي، إلى الأردن؛ أمنياً وسياسياً واقتصادياً وديموغرافياً، وتحوله إلى طرف يتحمل جزءاً رئيسياً من عبء إدارة القضية الفلسطينية، إن لم يُحمَّل كل الأعباء.
من هنا تكتسب فكرة "أفيغدور ليبرمان" أهمية خاصة؛ لأنها تطرح صيغة مفادها تولي الأردن إدارة مناطق (أ) و(ب)، أمنياً وإدارياً، فيما تحتفظ "إسرائيل" بسيطرتها على المنطقة (ج).
لذا، لا يمكن النظر إلى ما طرحه "ليبرمان" باعتباره اقتراحاً عابراً، وإنما كأحد السيناريوهات التي يتعين على الأردن دراستها والاستعداد لتداعياتها، خصوصاً إذا تمكن "ليبرمان" وحلفاؤه من تشكيل حكومة مقبلة، بما قد يفتح الطريق أمام تحويل الفكرة إلى مشروع حكومي.
ما يجب أن نعرفه هو أن تداعيات هكذا سيناريو على الداخل الأردني لن تكون مشكلة كبيرة بالنسبة لـ"إسرائيل" إلا بمقدار ما تؤثر على أمنها ومشاريعها السياسية.
هل من مخرج..؟
لا يوجد مخرج سهل، ولا خيار بلا كلفة، فأي سيناريو تعتمده "إسرائيل" في الضفة الغربية والقدس سيكون له تداعياته وأخطاره.
والأصل أن تفرض هذه التطورات أنماطاً مختلفة من العمل، وعلى وجه التحديد، بعدما شخص جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأبلغ صورة، مخاطر السياسات "الإسرائيلية" في الضفة والقدس وجنوب سوريا. لكن هذا الخطاب الملكي الاستثنائي يستدعي من الحكومة أن تبني عليه سلسلة من الإجراءات العملية.
فإذا كان جوهر الخطر أن تتحول الوقائع التي تُصنع حول الأردن إلى أعباء تُفرض عليه، فإن المطلوب هو بناء قدرة أردنية على التعامل معها قبل أن تصبح أمراً واقعاً.
وأول ما يجب فعله هو تقوية الجبهة الداخلية، بإشراك فعلي للبرلمان والنقابات والأحزاب والقوى الاجتماعية في بناء مقاربة للمواجهة. وهذا يتطلب خطوات محددة: إطلاق حقيقي للحريات، ومعالجات مقنعة للأزمات الداخلية، واستعداد جدي للحوار البنّاء مع مختلف أطياف المجتمع في مختلف القضايا على أساس الشراكة.
كذلك، جلسات استماع برلمانية مغلقة حول السيناريوهات، وخلية أزمة وطنية دائمة تضم خبراء اقتصاد وأمن ومياه وسياسة.
ولا يقل أهمية عن ذلك الانخراط بقوة في المساعدة على بناء جبهة فلسطينية في الضفة الغربية، لتعزيز صمود أهلها ورفضهم للضم والتهجير وتمسكهم بكامل حقوقهم، لأن بقاء الفلسطينيين على أرضهم يمثل خط دفاع أساسياً عن الأمن القومي الأردني.
فمن شأن ذلك أن يسهم في تعزيز الرفض الأردني، رسمياً وشعبياً، لكل السيناريوهات "الإسرائيلية"، وعدم القبول بأي صيغة لإدارة الضفة أو التهجير، فكل ما يريده الأردن هو دولة فلسطينية قابلة للحياة، وأن تكون حدوده آمنة.
ولنكن صريحين، هذه الأمور لا تتحقق بالانتظار والتمني، فهناك حاجة لمقاربة واضحة تدعم خطوط الأردن الحمر، وعمّان ليست بلا أوراق؛ فاتفاقية وادي عربة، واتفاقيات الغاز والمياه، وموقعه الجغرافي وحضوره الدولي، كلها أدوات ضغط لها تأثيراتها القوية، وتزداد قوة بأرضية صلبة توفرها قرارات الشرعية الدولية، والأهم مزاج عالمي متغير ما عاد يحتمل السياسات "الإسرائيلية" لا في فلسطين فقط، بل وفي كل الإقليم.
بالمختصر.. الأردن أمام لحظة فارقة؛ فإذا كان يعوّل على تراجع "إسرائيل" عن مخططاتها بما يمنع أخطارها عنا، أو يعوّل على موقف إقليمي ودولي يلجم أفعالها، فإن مثل هذا التعويل لا يمنع من أن نعوّل على أنفسنا أولاً؛ "وليجدوا فيكم غِلظة".
-
المحافظ السابق نائل العزب .. رجل جمع بين صرامة القانون ونبض الشارع ..
في زمنٍ تتطلب فيه المسؤولية الوطنية مزيجاً... -
الأردن لـ"إسرائيل": لا خيارَ ولا بديلَ .. راكان السعايدة
الأردن لـإسرائيل: لا خيارَ ولا بديلَراكان... -
قوة ملك خلفه شعب يحبه .. كتب - .. المهندس بسام احمد المصري
قوة ملك خلفه شعب يحبهكتب -المهندس بسام احمد... -
راكان السعايدة .. يكتب .. الأردن يتحسب للانتخابات "الإسرائيلية" ولا يثق .. !
الأردن يتحسب للانتخابات الإسرائيلية ولا... -
راكان السعايدة .. يكتب .. المسؤول والمسؤولية بالأردن: من يخدم من .. ؟
المسؤول والمسؤولية بالأردن: من يخدم من..؟راكان... -
راكان السعايدة .. يكتب .. الجبهة الداخلية: معالجة الأزمات أم إدارتها .. ؟
الجبهة الداخلية: معالجة الأزمات أم... -
الدكتور نضال شاكر العزب .. يكتب .. مدعون دائمون في كل المناسبات
مدعون دائمون في كل المناسبات الدكتور نضال شاكر... -
راكان السعايدة .. يكتب .. الأمن القومي الأردني: معركة تبدأ قبل الحدود
الأمن القومي الأردني: معركة تبدأ قبل...
التعليقات حالياً متوقفة من الموقع
الرجاء الانتظار ...